محمد بن عبد المنعم الحميري

8

الروض المعطار في خبر الأقطار

فيا ويح نفسي لا أرى الدهر منزلاً * لعلوة إلا ظلت العين تذرف ولو دام هذا الوجد لم يبق عبرة * ولو أنني من لجة البحر أغرف وله : بأبي ريم تعرض لي * عن رضا في طيه غضب فأراني صبح وجنته * بظلام الصدغ ينتقب فأتى بالكأس مترعة * كضرام النار يلتهب فهي شمس في يدي قمر * وكلا عقديهما الشهب ولها من ذاتها طرب * فلهذا يرقص الحبب وتوفي سنة سبع وخمسمائة بأصبهان . الأبلة : بضم الهمزة والباء واللام المشددة ، مدينة بالعراق بينها وبين البصرة أربعة فراسخ ونهرها الذي في شمالها ، وجانبها الآخر على غربي دجلة ، وهي صغيرة المقدار حسنة الديار واسعة العمارة متصلة البساتين عامرة بالناس المياسير وهم في خصب من العيش ورفاهية . وهي في قول محمد بن سيرين القرية التي مر بها موسى والخضر عليهما السلام فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما ، قالوا : وهم أبخل أهل قرية وأبعدها من السخاء ، ويحكى أن أهلها رغبوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أن يثبت في المصحف : فأتوا أن يضيفوهما بالتاء المثناة بدل الباء وقالت فرقة : بل القرية أنطاكية ، وقيل : هي برقة ، ويقال : إنها الجزيرة الخضراء بالأندلس . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أمر بحفر نهر الأبلة فلما ولي عثمان رضي الله عنه جعل نصف النفقة على أهل الخراج والنصف الثاني على بيت المال ، فمدوه إلى البصرة . والأبلة مدينة قديمة عامرة فتحها عتبة بن غزوان في زمن عمر رضي الله عنه ، ولما نزل عتبة الخريبة وبالأبلة خمسمائة من الأساورة وكانت مرفأ الصين وما دونها ، خرج إليه أهل الأبلة فناهضهم عتبة ، وأمر رجلين من أصحابه فقال لهما : كونا في عشرة فوارس في ظهورنا فتردان المنهزم وتمنعان من أرادنا من ورائنا ، ثم التقوا فاقتتلوا مقدار جزر جزور وقسمها ، ثم منحهم الله تعالى أكتافهم فولوا منهزمين حتى دخلوا المدينة ، ورجع عتبة إلى عسكره فأقاموا أياماً وألقى الله عز وجل في قلوبهم الرعب ، فخرجوا عن المدينة وحملوا ما خف وعبروا الفرات وخلوا المدينة ، فدخلها المسلمون فأصابوا متاعاً وسلاحاً وسبياً وعيناً فاقتسموا العين ، وولي نافع بن الحارث أقباض الأبلة فأخرج خمسه ثم قسم الباقي بين من أفاء الله عليه ، وشهد فتح الأبلة مائتان وسبعون . قالوا : ولما خرج الناس لقتال أهل الأبلة قالوا للعدو : نعبر إليكم أو تعبرون إلينا ؟ فقالوا : اعبروا إلينا ، فأخذوا خشب العشر وأوثقوه وعبروا ، فقال المشركون : لا نأخذ أولهم حتى يعبر آخرهم ، فلما صاروا على الأرض كبروا تكبيرة ثم كبروا الثانية فقامت دوابهم على أرجلها ثم كبروا الثالثة فجعلت الدابة نضرب بصاحبها الأرض وجعلنا ننظر إلى رؤوس تندر لا نرى من يضربها ، وفتح الله على أيديهم المدينة . وقال سلمة بن فلان : شهدت فتح الأبلة فوقع في سهمي قدر نحاس ، فلما نظرت إذا هي ذهب فيها ثمانون ألف مثقال ، وكتب في ذلك إلى عمر رضي الله عنه ، فكتب أن يحلف سلمة بالله لقد أخذتها يوم أخذتها وهي عنده نحاس فإن حلف سلمت إليه ، وإلا قسمت بين المسلمين ، فحلفت فسلمت لي ، قال : فأصول أموالنا اليوم منها . وقال خالد بن عمير : شهدت فتح الأبلة مع عتبة بن غزوان فأصبنا سفينة مملوءة جوزاً فقال رجل منا : ما هذه الحجارة ؟ وكسرناها فأكلنا منها فقلنا هذا طعام طيب . وقال علي بن سعيد : كان فخر الدين علي بن الدامغاني قدمه الخليفة المستنصر على ديوان الزمام ، قال : وصحبته من مدينة السلام إلى أسافل دجلة لجمع الأموال فانحدرنا إلى البصرة وحللنا بين نهر معقل ونهر الأبلة ، فنصب فخر الدين هناك خيمة وتزاحم الوفود عليه من المسلمين واليهود والنصارى والصابئة والمجوس ، فقلت له : ما بين نهر الأبله * وبين معقل حله