محمد بن عبد المنعم الحميري
121
الروض المعطار في خبر الأقطار
بيران : حصن من حصون الأندلس ، ومن قصيدة لابن الأبار يمدح بها السيد أبا زيد عند انقياد أهل بيران لابنه السيد أبي يحيى أبي بكر سنة اثنتين وعشرين وستمائة : لله قلعة بيران وعزتها * على الأعاصير في ماضي الأعاصير عنت ودانت على حكم المنى فرقاً * من سطو مرهوب أعلى السطو محذور وأذعنت وهي الشماء ذروتها * على حجاج لها من قبل مذكور ولو أصرت على الإعراض ثانية * لأصبحت بين تخريب وتدمير مدت إليك أبا زيد بطاعتها * يداً مخافة صول منك مشهور وأكدت في الرضى والصفح رغبتها * كما تقدم تأييد المقادير فجدت جودك بالنعمي بما سألت * من الأمان لها طلق الأسارير بياسة : بالأندلس أيضاً ، بينها وبين جيان عشرون ميلاً ، وكل واحدة منهما تظهر من الأخرى . وبياسة على كدية من تراب مطلة على النهر الكبير المنحدر إلى قرطبة ، وهي مدينة ذات أسوار وأسواق ومتاجر وحولها زراعات ، ومستغلات الزعفران بها كبيرة . وفي سنة ثلاث وعشرين وستمائة ملك الروم بياسة في يوم عرفة من ذي حجتها ، وكان صاحب جيان إذ ذاك عبد الله بن محمد بن عمر بن عبد المؤمن قد تغير له عبد الله العادل بن المنصور صاحب إشبيلية فخافه ، فخرج إلى بياسة فدخلها وكلم أهلها لمساعدته وامتناعه بهم إلى أن يأخذ لنفسه الأمان ، فساعدوه على مراده ومنعوه ممن رامه ، فجهز إليه العادل العساكر وقدم عليهم إدريس بن المنصور ، فلما نزلوا بظاهر بياسة مكثوا عليها أياماً ، والزمان شات ، فلم يغنوا شيئاً ، وأراد عبد الله صاحب بياسة تفريق ذلك الجمع بما أمكن ، فداخله بأن صالحه على أن يدفع له ابناً صغيراً ليكون رهينة لديه بطاعته ، فوجد إدريس السبيل إلى الانصراف عنه ، وكان أكبر همه ، إذ قد جهده وأصحابه شدة البرد ونزول المطر إلى ما كانوا يخافونه من مد النهر ووصول روم طليطلة الذين كانوا أولياء لصاحب بياسة وأنصاراً له ، فخاف أن يدعو بهم فيلبوه ، إذ كان حل من أنفسهم محلاً كثيراً لشجاعته ، فارتحل أبو العلا لذلك ورأى أنه قد صنع شيئاً وأنه قد قام عذره ، فلما وصل إلى إشبيلية استقصر فعله واستهجن رأيه وبقي عندهم كالخامل المتخوف . ثم جهزوا بعده جيشاً آخر إلى بياسة قدموا عليه عثمان بن أبي حفص ، فسار حتى بلغ قبلي بياسة ، فبرز إليهم دون المائة فارس من فرسان عبد الله صاحب بياسة ومن الروم الذين معهم ، فلما رأوهم انهزموا وولوا الأدبار ولم يجتمع منهم أحد مع أحد ، وبقي صاحب بياسة ببلده ولا أحد يرومه إلى أن تملك قرطبة ومالقة وغيرهما وكاد يستولي على الأمر لو ساعده المقدار ، وخرج فأوقع بأهل إشبيلية بفحص القصر سنة اثنتين وعشرين وستمائة وقتل منهم نحو ألفي رجل وانصرف عنها مكسوراً مفلولاً . وقد كان أدخل الروم قصبة بياسة وأسكنهم فيها ، والمسلمون معهم في سائر المدينة ، وكان دفعه القصبة إليهم على سبيل الرهن في مال كان لهم تعين عليه ، فبقوا في القصبة ساكنين ، والمسلمون في البلد يداخلونهم ويعاملونهم ، وهو إذ ذاك في قرطبة مقيم ، فلما غزا إشبيلية وانصرف عنها مفلولاً مكسوراً ثار به أهل قرطبة ، إذ توهموا أنه يريد إدخال النصارى مدينتهم ، فخرج عنها فاراً إلى الحصن المدور ، فأقام هناك وبقيت بياسة بيد الروم ، وغلق