السيد لطيف القزويني
60
رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ
فنهتني قريش ، وقالوا تكتب كل شئ سمعته من رسول الله ، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضى ؟ فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك لرسول الله ، فأومأ بإصبعه إلى فمه وقال : أكتب ، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حقا ( 1 ) . لما آلت الخلافة إلى أبي بكر كان أول مشروع فعله هو جمعه للأحاديث النبوية التي كتبها هو شخصيا وقيامه بإحراقها ، كما روت السيدة عائشة ابنته وأم المؤمنين . وكان مشروعه الثاني أن جمع الناس وقال لهم : إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا ، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله ( 2 ) . فهذا الموقف المعلن من أبي بكر ، وقناعته بأن الحديث عن رسول الله يورث الخلاف ، وقيامه بإحراق الأحاديث التي جمعها شخصيا ، كل ذلك يدل على حساسيته المفرطة من أحاديث رسول الله ( ص ) ، وأنه أحد الذين نهوا ابن عمرو عن كتابة أحاديث الرسول ، تحت شعار أنه يتكلم في الغضب والرضى ، ثم من هي قريش إن لم يكن أبو بكر وهو أحد شيوخها منها ؟ ! . وعندما آلت الخلافة ، إلى عمر بن الخطاب بعد موت أبي بكر ، كان أول مشاريعه أن طلب من الناس وناشدهم ليأتوه بأحاديث رسول الله التي كتبوها ، وظن الناس أن عمر يريد أن يجمع أحاديث رسول الله فأتوه بها ، فلما أتوه بأحاديث رسول الله المكتوبة ، أمر بحرقها جميعا ، وحرقت بالفعل ( 3 ) . جاء في كنز العمال ، أنه ما مات عمر حتى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق : عبد الله بن حذيفة وأبا الدرداء وأبا ذر وعقبة بن عامر ، وقال لهم : ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق ؟ قالوا : أتنهانا ؟ قال : لا ، أقيموا عندي ، لا والله لا تفارقوني ما عشت ، فنحن أعلم ، نأخذ منكم ونرد عليكم ( 4 ) . وروى الذهبي : أن عمر حبس ثلاثة بتهمة أنهم ( أكثروا الحديث عن رسول الله ) ( 5 ) . ولقد نهى عمر جيوشه عن الرواية عن رسول الله ( 6 ) ، وهذه السياسة الصارمة نحو رواية الأحاديث ، ونحو حرق المكتوب منها : تدل على حساسيته المفرطة تجاه أحاديث رسول
--> 1 - سنن أبي داود 2 / 126 ، وسنن الدارمي 1 / 125 ، ومسند أحمد 2 / 162 ، 207 ، 216 ، ومستدرك الحاكم 1 / 105 ، 106 ، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 1 / 85 . 2 - تذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 302 . 3 - الطبقات لابن سعد 5 / 140 . 4 - كنز العمال 5 / 239 ، حديث 4865 ، ومنتخب الكنز 4 / 61 . 5 - تذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 2 - 3 . 6 - بيان العلم وفضله لابن عبد البر 2 / 147 ، وتذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 4 - 5 .