السيد لطيف القزويني

21

رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ

الكاذبين ) ( 1 ) ، وعلى أثر هذا النص السماوي توجه الرسول ( ص ) بالخطاب إلى وفد النصارى : . إن لم تؤمنوا بي وتصدقوني ، فتعالوا نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذب ، وننتظر من سيقع عليه العذاب والعقاب الإلهي ، فهو على باطل ، فقالوا للنبي : نباهلك غدا ، ثم اجتمعوا فتحاوروا وتشاوروا بينهم ، فقال أبو حارثة لوفده : . أنظروا من جاء معه ، وغدا رسول الله ( ص ) آخذا بيديه المباركتين الحسن والحسين ( ع ) تتبعه فاطمة وعلي بن أبي طالب ( ع ) بين يديه . وغدا العاقب والسيد بابنين لهما عليهما الدر والحلي ، وقد حفوا بأبي حارثة ، فقال أبو حارثة : من هؤلاء معه ؟ قالوا : هذا ابن عمه ، وهذه ابنته ، وهذان ابناهما ، فجثا رسول الله على ركبتيه ثم ركع ، فقال أبو حارثة : جثا والله كما يجثو النبيون للمباهلة . . . إلخ ( 2 ) . قال الزمخشري في سياق تفسير آية المباهلة : وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم : وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس ، مفدون بها . . . وفي هذا دليل لا شئ أقوى منه على فضل أصحاب الكساء ( 3 ) . أما المشركون الذين لم يتخلوا عن وثنيتهم ، فقد عزم رسول الله ( ص ) على منعهم من تأدية طقوسهم حول البيت الحرام : نظرا إلى إعلانهم الشرك ، وسلوكهم غير المحتشم ، حيث يطوفون ، حول البيت عراة متحللين من الأدب ، فلا مبرر لبقاء ذلك المظهر البشع ، ولا داعي لبقاء قوم يعبدون الأصنام ، بعد أن أظهر الله الإسلام وأعزه بنصره ، وبعد أن حطمت الأصنام ، ودخلت مكة دار الإسلام . في موسم الحج ، في السنة التاسعة من الهجرة ، حيث نزلت سورة التوبة ( البراءة ) التي ألغت كل مخلفات الشرك ، وأنهت كل وجود للمشركين في مكة ، أمر رسول الله ( ص ) أبا بكر بتبليغها لمن تبقى من المشركين ، والذين يتواجدون غالبا عند البيت الحرام في الموسم : لأداء مناسك الحج على طريقتهم البالية ، فلما كان أبو بكر في بعض الطريق ، هبط الأمين جبرائيل ( ع ) بالأمر من الله لرسوله ( ص ) : أن لا يتولى التبليغ إلا أنت أو رجل من أهل بيتك ، فبعث رسول الله ( ص ) عليا عليه السلام ، وأعطاه كتابا إلى أبي بكر يأمره بإعطاء الكتاب الذي يحمل السورة المباركة إلى علي ( ع ) - وهكذا كان - فعاد أبو بكر إلى رسول الله ( ص ) كئيبا ، فقال له : أنزل في شئ ؟ قال ( ص ) : لا ، إلا أني أمرت أن أبلغه أنا أو رجل من أهل بيتي ( 4 ) ،

--> 1 - آل عمران : الآية 61 . 2 - تاريخ اليعقوبي ج 2 ، ص 82 . 3 - تفسير الكشاف للزمخشري وسورة آل عمران . الآية 61 ، وكذا جاء في تفسير الثعالبي عن مجاهد والكلبي . 4 - خصائص النسائي ص 20 ، صحيح الترمذي ج 2 ، ص 183 ، ومسند أحمد ج 3 ، ص 283 .