السيد لطيف القزويني

19

رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ

أثر محمد ( ص ) يلتقط ما يسقط منهم من متاع حتى أوقر ( 1 ) ، ومثله أولاده . . . فشيبة بن عثمان بن أبي طلحة تعاهد هو وصفوان بن أمية على أنه إذا رأيا الدائرة ( تدور ) على رسول الله ( ص ) أن يكونا عليه فيقتلانه ( 2 ) ، وقد عبرت جويرية بنت أبي جهل عن طبيعة إسلام القوم ، يوم سمعت بلالا يؤذن على ظهر الكعبة بقولها : قد لعمري رفع لك ذكرك أما الصلاة فسنصلي ، والله لا نحب من قتل الأحبة أبدا ( 3 ) ، ومع هذا فإنهم خرجوا مع جيوش المسلمين المتوجهة إلى حنين كمسلمين ، وعيينة بن حصن أحد قادة الجيش الإسلامي يستأذن من الرسول ( ص ) حتى يأتي حصن الطائف لإقناعهم بالاستسلام ، ومع هذا يدخل الحصن ، ويقول للمشركين : فداكم أبي وأمي ، والله لقد سرني ما رأيت منكم . . . والله ما لاقى محمد مثلكم قط ، ولقد مل محمد اللقاء فاثبتوا في حصنكم . . . ( 4 ) . ثم يعود إلى الرسول ( ص ) ليزعم بأنه قد حاول إقناع أهل الطائف فأخفق ، والرسول ساكت ، وهو يعلم أن عيينة كاذب ومنافق ! ! ، وعيينة نفسه يعبر عن حقيقة وجوده فيقول : والله ما جئت معكم أقاتل ثقيفا ، ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب جارية من ثقيف لعلها تلد لي رجلا ( 5 ) . غزوة تبوك والزحف على بلاد الروم . في هذا الوقت بالذات تواردت الأنباء إلى الرسول القائد ( ص ) من أن الروم أعدوا العدة لغزو الأجزاء الشمالية من الجزيرة العربية ، التي تعتبر جزءا من الدولة الإسلامية فقرر الرسول ( ص ) أن يصدهم بنفسه . وهكذا أصدر أوامره لاستنفار المسلمين في المدينة المنورة وخارجها ، فلم يدع قوما من الناس إلا أجابوه لذلك ، إلا أن المنافقين الأوائل من قريش ، ممن أظهروا الإسلام خوفا من سطوة المسلمين بعد فتح مكة ، راحوا يختلقون الأعذار حتى لا يخرجوا لقتال الروم ، وكان أهم عذر عندهم في ذلك : شدة الحر وبعد المسافة بين المدينة وبلاد الروم ، وقد حكى القرآن الكريم ، ما كانوا يتذرعون به من وسيلة ، منددا ومهاجما : ( وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ) ( 6 ) . ولم يقف المنافقون عند هذا الحد ، بل راحوا يدعون الناس إلى التخلف عن الجيش الإسلامي ، وأعدوا دارا لتجمعاتهم ، فبلغ الرسول ( ص ) ذلك ، فأحرق عليهم الدار أثناء اجتماعهم ، ففروا هاربين : حيث لقنهم بذلك درسا لقاء خيانتهم للإسلام . سار جيش الإسلام بقيادة رسول الله ( ص ) ، وكان تعداده ثلاثين ألفا ، وقد سمي ذلك الجيش ( جيش العسرة ) لشدة الحر ، وبعد المسافة ، وقلة المؤونة . وقد استخلف الرسول

--> 1 - راجع المغازي ج 2 ، ص 895 . 2 - راجع المغازي ج 3 ، ص 895 . 3 - راجع المغازي ج 2 ، ص 846 . 4 - راجع المغازي ج 3 ، ص 932 . 5 - المصدر نفسه ج 2 ، ص 932 . 6 - التوبة : الآية 81 .