تقرير بحث السيد المرعشي لعادل العلوي

53

القصاص على ضوء القرآن والسنة

خرج بالدليل كالزنا ، أو لا بد من التعدّد فيها مطلقا ؟ اختلف الفقهاء في ذلك ، فذهب المشهور إلى كفاية المرة الواحدة إلا في موارد خاصة كالزنا ، وقيل في كل الموارد لا بد من الإقرار مرتان ، إلا ما خرج بالدليل كالزنا حيث يشترط فيه أربع مرّات ، والمختار كفاية المرة الواحدة إلا في موارد خاصة . والمحقق في إثبات دعوى القتل يقول بكفاية المرة الواحدة ( 1 ) ، وقيل : مرّتان .

--> ( 1 ) الجواهر 42 / 203 : وكيف كان فلا خلاف ولا إشكال في أنه تثبت الدعوى بالقتل بالإقرار أو البينة أو القسامة ، أما الإقرار فيكفي فيه المرة وفاقا للأكثر ، بل عليه عامة المتأخرين عدا نادر ، للعموم وخصوص ظاهر المرسل المرفوع الآتي وغيره ولكن بعض الأصحاب كالشيخ وابني إدريس والبراج والطبرسي ويحيى بن سعيد على ما حكي عنهم يشترط الإقرار مرتين ، ولا نعرف له وجها إلَّا الاحتياط في الدماء الذي لا يعارض الأدلة مع أنه معارض بمثله ، وعدم بطلان دم المسلم ، ولذا قبلت فيه في الجملة شهادة النساء والصبيان وقسامة المدعي تحقيقا لقوله تعالى : « ولَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » والا القياس على السرقة الممنوع عندنا ، على أنه مع الفارق ، ضرورة كونها من الحقوق الإلهية المبنية على التخفيف والمسامحة ، ولذا يسقط بالتوبة بخلاف حقوق الآدميين . انتهى كلامه . وقال المحقق الطباطبائي في رياض مسائله 2 / 514 : وأما الإقرار فتكفي المرة على الأظهر والأشهر ، بل عليه عامة من تأخر ، لعموم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز ، وهو المتحقق بالمرة حيث لا دليل على اعتبار التعدد كما في المسألة لما ستعرفه ، مضافا إلى التأيد بخصوص الروايات الدالة بإطلاقها على أخذ المقر والحكم عليه بمجرد إقراره ، مثل ما في قضاء مولانا الحسن عليه السلام الآتي إليه الإشارة ، وما يدل على كون دية الخطأ على المقر ، فان المذكور فيه الإقرار مرة ، وما يدل على حكم أنه لو أقر واحد بالعمد وآخر بالخطإ كما يأتي ونحو ذلك ، وبعض الأصحاب كالشيخ والحلي والمرتضى وجماعة يشترط التكرار مرتين ، ولا يظهر له وجه صحة عدا الحمل على السرقة ، وهو قياس فاسد في الشريعة ، والاحتياط في الدماء ويعارض بمثله هنا في جانب المقتول لعموم لا يطلّ دم امرء مسلم ، ومنه يظهر جواب آخر عن الأول وهو وجود الفارق لكون متعلق الإقرار هنا حق آدمي فيكفي فيه المرة ، كسائر الحقوق الآدمية ، ولا كذلك السرقة فإنها من الحقوق الإلهية المبنية على التخفيف والمسامحة . وفي السرائر 3 / 341 : وأما الإقرار فيكفي أن يقرّ القاتل على نفسه دفعتين ، من غير إكراه ولا إجبار ، ويكون كامل العقل ، فإن لم يكن كامل العقل ، أو كان عبدا مملوكا ، فإنه لا يقبل إقراره ، لأن إقراره إقرار على الغير الذي هو سيده ، فأما إن لحقه العتاق بعد إقراره ، قبلناه ، وحكم فيه بما يقتضيه الشرع . وفي اللمعتين 2 / 408 : فالإقرار يكفي فيه المرة لعموم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز ، وهو يتحقق بالمرة حيث لا دليل على اعتبار التعدد ، وقيل تعتبر المرتان وهو ضعيف . وفي جامع المدارك 7 / 241 : وأما ما يثبت به الجناية فمنها الإقرار ، والمشهور كفاية المرة ، ويدل عليه إطلاق دليل حجية الإقرار وخصوص صحيحة الفضيل قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول : من أقرّ على نفسه عند الإمام بحقّ من حدود اللَّه مرة واحدة حرّا كان أو عبدا أو حرّة كانت أو أمة فعلى الإمام أن يقيم الحد عليه - إلى أن قال : فقال له بعض أصحابنا : يا أبا عبد اللَّه فما هذه الحدود التي إذا أقرّ بها عند الإمام مرة واحدة على نفسه أقيم عليه الحد فيها - إلى أن قال : وإذا أقرّ بقتل رجل لم يقتله حتى يحضر أولياء المقتول فيطالبوه بدم صاحبهم ( التهذيب في حدود الزنا تحت رقم 7 ) . وصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال : سألته عن رجل قتل فحمل إلى الوالي - إلى أن قال : حتى أتاهم رجل فأقرّ عند الوالي أنه قتل صاحبهم عمدا ، وأن هذا الرجل الذي شهد عليه الشهود برئ من قتل صاحبه فلا تقتلوه به ، وخذوني بدمه ؟ قال : فقال أبو جعفر عليه السلام : إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه ( الكافي 7 / 108 رقم 3 ) . ولقائل أن يقول : أما التمسك بدليل حجية الإقرار فلا اشكال فيه ، وأما التمسك بصحيحة فضيل المذكورة فيشكل التمسك بها لمعارضة ما دلّ على عدم كفاية الإقرار مرة في الزنى واللواط ، وعدم الأخذ بإقرار العبد حيث إن إقراره يكون ضررا على مولاه ، إلَّا أن يؤخذ به بعد انعتاقه ، وهذه الصحيحة غير قابلة للتخصيص ، وأما صحيحة زرارة المذكورة ففيها الاشكال من جهة أخرى ، لأن السؤال عن رجل كان قتله مفروغا عنه ، والجواب ظاهرا يرجع إلى إقرار الشخص الثاني الذي قال ببراءة الشخص الأول ، مع كونه مفروغا عنه ، وقيام الشهود على قتله ، فلا بد من ردّ علمه إلى أهله . وقد أيّد ما ذكر من اعتبار الإقرار مرة بمرفوعة علي بن إبراهيم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : أتي أمير المؤمنين عليه السلام برجل وجد في خربة وبيده سكَّين ملطخ بالدم ، وإذا برجل مذبوح يتشحط في دمه ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : ما تقول ؟ قال : أنا قتلته ، قال : اذهبوا به فأقيدوه به - الحديث . ورواه الصدوق قدس سره باختلاف يسير مرسلة عن أبي جعفر عليه السلام ( الفقيه باب الحيل في الأحكام رقم 8 ) ولا يخفى أن الإقرار مع اقترانه بما ذكر يوجب القطع غالبا ، والكلام في حجية الإقرار مرة بدون القطع ، ونظر من قال بعدم اعتبار المرة إلى الاحتياط في الدماء ، ويشكل من جهة أنه ربما لم يحصل القطع حتى مع تكرر الإقرار أيضا ، فلا يتحقق الاحتياط إلَّا مع القطع ، ولازمه عدم اعتبار الإقرار . وفي تكملة المنهاج 2 / 90 يثبت القتل بأمور : الأول : الإقرار ، وتكفي فيه مرة واحدة - على المشهور شهرة عظيمة ، خلافا لجماعة : منهم الشيخ وابنا إدريس والبراج والطبرسي ، ويدل على المشهور مضافا إلى إطلاق أدلة الإقرار - خصوص صحيحة الفضيل . . وصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام . . ويؤيد ذلك بمرفوعة علي بن إبراهيم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللَّه عليه السلام . . ورواها الصدوق باختلاف يسير مرسلة عن أبي جعفر عليه السلام ، ولكن صاحب الوسائل نسبها إلى رواية الصدوق بإسناده إلى قضايا أمير المؤمنين عليه السلام ولعله من سهو القلم . وأما ما ذهب إليه الشيخ وهؤلاء الجماعة مع اعتبار الإقرار مرتين ، فليس له وجه ظاهر ، وما استدل عليه - من أن فيه احتياطا للدماء ، وليس القتل بأدون من السرقة - واضح الضعف ، كيف ولو تمَّ ذلك ، فلا بد من اعتبار الإقرار أربع مرات ، لأن القتل ليس بأدون من الزنا . ومن كتب العامة جاء في الفقه الإسلامي وأدلته 6 / 388 : ولا يشترط تعدد الإقرار ، ويكفي مرة واحدة إلَّا في الإقرار بالزنا عند الحنفية والحنابلة ، فإنه يطلب كونه أربع مرات ، طلبا للتثبت في إقامة الحد ، وعملا بواقعة إقرار ماعز بن مالك أمام الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم أربع مرات .