تقرير بحث السيد المرعشي لعادل العلوي

378

القصاص على ضوء القرآن والسنة

الثاني عشر : لو التجأ الجاني بالحرم المكي فهل يقتصّ منه ( 1 ) ؟

--> ( 1 ) أشار صاحب الجواهر إلى هذا الفرع إلا أنه باعتبار ضمان من أجرى القصاص على الملتجئ إلى الحرم فقال : وكذا لا ضمان على من اقتص من الملتجئ إلى الحرم وإن أثم لعموم آيات الأمن والإجماع كما عن الخلاف وقوله صلَّى اللَّه عليه وآله : « إن أعتى الناس على اللَّه القاتل غير قاتله والقاتل في الحرم » ولكن يضيق عليه في المطعم والمشرب إلى أن يخرج منه ثمَّ يستوفي منه . بل عن النهاية والمهذب إلحاق مشاهد الأئمة عليهم السلام بل لعله ظاهر المحكي عن السرائر أيضا ولا بأس به . قال العلامة في القواعد 302 : والملتجئ إلى الحرم لا يقتص منه فيه ، بل يضيق عليه في المطعم والمشرب إلى أن يخرج ، ثمَّ يستوفي منه ، ولو جنى في الحرم اقتص منه فيه ، والإحرام لا يقتضي التأخير ، ولو التجأ إلى بعض المساجد غير المسجد الحرام ، اخرج منه وأقيم عليه القود ، فان طلب القصاص في المسجد تعجيلا ، منع من التلويث بأن يفرش فيه الأنطاع ، ولو هرب إلى ملك إنسان أخرجه الحاكم واستوفى منه خارجا ، للمنع من شغل ملك الغير . وفي السرائر 3 / 363 : ومن قتل غيره في الحرم أو أشهر الحرم وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرّم ، وأخذت منه الدية صلحا على ما قدمناه ، كان عليه دية وثلث من أيّ أجناس الديات كانت ، لانتهاكه حرمة الحرم وأشهر الحرم ، فان طلب منه القود قتل بالمقتول . فإن كان انما قتل في غير الحرم ، ثمَّ التجأ إلى الحرم ضيق عليه في المطعم والمشرب ، بأن لا يبايع ولا يخالط إلى أن يخرج فيقام عليه الحد . وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته ، وكذلك الحكم في مشاهد الأئمة عليهم السلام ، يريد بعطفه على الحرم في حكم واحد ، لا في جميع أحكام الحرم . . ومن كتب العامة جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة 5 / 308 مبحث من قتل ثمَّ لجأ إلى الحرم . قالت الشافعية : يقتص في الحرم ، لأن الحرم لا يمنع من القصاص ، كقتل الحية والعقرب داخل الحرم ، وسواء التجأ إليه أم لا ، فإن النبي حين فتح مكة ودخوله الحرم وتعلق عبد اللَّه بن خطل الذي كان يهجو النبي بأستار الكعبة قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : ( اقتلوه فان الكعبة لا تعيذ عاصيا ، ولا تمنع من إقامة حدّ واجب ) فقتل . وكذلك الحويرث بن نقيد . والمقيدس بن صبابة الكندي . ولأن القصاص على الفور فلا يؤخر . فلو التجأ الجاني إلى الكعبة أو المسجد الحرام أو غيره من المساجد أو إلى ملك إنسان فيخرج منه ثمَّ يقتل ، صيانة للمسجد ، ولأنه يمتنع استعمال ملك الغير بغير إذنه . . وإذا لم يخرج الجاني من الحرم ومكث فيه ، جاز إقامة القصاص عليه وقتله فيه ، فان حرمة دم الآدمي أقوى من حرمة البيت . المالكية قالوا : لو قتل شخص إنسانا في الحلّ ثمَّ دخل الحرم بعد ارتكاب جنايته فلا يؤخر ، بل يجب إخراجه من الحرم ، ويقام عليه الحد خارج الحرم ، ولو كان الجاني محرما ، ولا ينتظر لإتمامه ، ولا يجوز إقامة القصاص في الحرم عليه لئلا يؤدي إلى تنجّسه بالدماء ، وسواء فعل موجب القصاص في داخل الحرم أم فعله خارجه ثمَّ لجأ إلى الحرم ، ليهرب من تنفيذ القصاص . . الحنفية قالوا : إذا قتل رجل إنسانا عمدا خارج الحرم ثمَّ لجأ إليه ليفرّ من القصاص وأقام بالحرم ، أو وجب القتل عليه رده ، أو زنا وهو محصن أو بسبب خروجه على جماعة المسلمين ، ثمَّ لجأ إلى الحرم بمكة المكرمة ، فلا يجب قتله ما دام في الحرم لحرمة القتل في الحرم لقوله تعالى : « ومَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً » يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء ، فمن عاذ بالبيت أعاذه البيت ، وورد في الصحيحين عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم قال يوم فتح مكة : ( إن هذا البلد حرم اللَّه يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة . . ) وفيما إذا وجب على الجاني القصاص لجناية ارتكبها داخل الحرم ، فإنه يجوز أن يقتل في الحرم في هذه الحالة ، لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم ، فلا يحترم دمه ، أما إذا ارتكب الجناية خارج الحرم ثمَّ التجأ إليه فلا يستوفي فيه بل يجب أن يضيق عليه ، فيمنع من الطعام والشراب والكلام والمعاملة حتى يخرج من الحرم فيستوفي منه القصاص ويقتل أو يموت داخل الحرم بالجوع والصد وذلك تعظيما لحرمة البيت الحرام أقول : هذا يوافق مذهب الشيعة الإمامية أيضا - وقالت الحنابلة : لا يستوفي من الملتجئ إلى الحرم قصاصا مطلقا سواء ارتكب الجناية خارج الحرم والتجأ إليه واحتمى به ، أو ارتكب جنايته داخل الحرم واعتصم به ، وسواء كان القصاص في النفس أو الأطراف ، ولا يضيق عليه ، حتى يخرج من الحرم ، أو يموت ، فان خرج من الحرم ، قتل بذنبه ، ونفذ عليه القصاص الواجب عليه ، والا ترك وشأنه في الحرم ، وذلك لنص الآيات الواردة في تأمين من دخل الحرم قال تعالى : « ومَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً » تأكيدا لفضيلة الحرم ، واحترام لقدسيته ، لشدة حرمة الحرم في الكتاب والسنة الذي هو حضرة اللَّه تعالى الخالصة ، فيحمل هنا على حال الحاكم الذي غلبت عليه هيبة المولى عز وجل ، وهيبة بيته الحرام ، فانطوت فيها إقامة حدوده ، حرمة له ، فأخر القصاص مدة عن الجاني حتى يخرج من الحرم . أقول : ليت حكَّام آل سعود والوهابية وليدة الاستعمار ( وأثبت هذا المعنى بالتفصيل في « سهام في نحر الوهابية » مطبوع في صحيفة « صوت الكاظمين » فراجع ) في عصرنا هذا عرفوا حرمة حرم اللَّه مكة المكرمة ، فلم يسفكوا دماء الأبرياء ( أكثر من أربعمائة شهيد ) من المسلمين والمؤمنين رجالا ونساء من أقطار العالم في ستة ذي الحجة سنة 1406 حين اجتمع المسلمون ليعلنوا براءتهم من المشركين إحياء لسنة البراءة منهم وكنت في تلك المظاهرة ورأيت اعتداء جيش السعوديين ومباحثاتهم . وعجبا لعلماء الحنابلة كيف سكتوا على هذا الظلم الشنيع ، فضلا عن وعاظ السلاطين الذين أرادوا أن يبرروا مواقف الظالمين وهتكهم حرمة الحرم الشريف ؟ ! ! وفي المهذب 2 / 188 : ومن وجب عليه قتل بكفر أو رده أو زنا أو قصاص ، فالتجأ إلى الحرم قتل ، ولم يمنع الحرم من قتله ، والدليل عليه قوله عز وجل : « واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ » ولأنه قتل لا يوجب الحرم ضمانه فلم يمنع منه كقتل الحية والعقرب .