تقرير بحث السيد المرعشي لعادل العلوي
365
القصاص على ضوء القرآن والسنة
إلا الأول . وقيل بالتفصيل بين الجناية الواردة بآلة كالَّة فيقتص بمثلها وإلا فلا ، تمسّكا بالإجماع ، وهو كما ترى ، وبآية الاعتداء ، وهي في مقام أصل التشريع . ثمَّ لو قتل الجاني بآلة كالَّة فالظاهر أن على المباشر التعزير ، لإتيانه بعمل مبغوض يوجب ذلك دون الدية ونحوها . الحادي عشر : هل يجوز القصاص بغير السيف ؟ اختلف الفقهاء في ذلك ، فقيل لا يقتص إلا بالحديد ، وقيل : لا يقتص إلا بالسيف ( 1 ) - كما في عبارة المحقق في الشرائع - وقيل : القصاص هو إزهاق الروح
--> ( 1 ) كما جاء ذلك في الروايات راجع الوسائل ج 19 باب 62 من أبواب القصاص في النفس باب ان الثابت في القصاص هو القتل بالسيف من دون عذاب ولا تمثيل وان فعله القاتل وفي الباب 6 روايات . وقال المفيد في المقنعة ص 736 : وإذا قامت البينة على رجل بأنه قتل رجلا مسلما عمدا واختار أولياء المقتول القود بصاحبهم تولَّى السلطان القود منه بالقتل له بالسيف دون غيره . وفي مختلف العلامة 820 مسألة : قال ابن الجنيد وللولي أن يقتل قاتل قريبه بمثل القتلة التي قتله بها ان وثق بأنه لا يتعدى ، والاختيار أن لا يقع القود الا بالسيف ، والمشهور عند علمائنا أنه لا يمكن من ذلك بل يقتل بالسيف لما رواه موسى بن بكير عن العبد الصالح عليه السلام في رجل ضرب رجلا بعصا ، فلم يرفع العصا حتى مات ، قال يدفع إلى أولياء المقتول ولكن لا يترك يتلذذ به ولكن يجاز عليه بالسيف احتج بعموم قوله تعالى : « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » وهو وجه قريب من الصواب . انتهى كلامه . أقول : ما المانع أن يخصص الخبر عموم الآية بناء على تخصيص الآية بالخبر ؟ وقال في القواعد 302 المطلب الخامس : في اعتبار المماثلة قد بيّنا أنه لا يجوز استيفاء القصاص الا بالسيف وضرب العنق ، وان كان الجاني فعل بالمقتول أنواع التعذيب ، وإذا كان الجاني قد جزّ الرقبة وأبان الرأس فعل به ذلك ، فإن لم يكن أبانه فالأقرب انه ليس للولي إبانته لحرمة الآدمي بعد موته ، ولو ضرب رقبته بالسيف فأبانه لم يعزّر لأنه لا اختيار له في قدر ما يقطعه السيف ، وليس له العدول إلى الذبح بالسكين . وفي رياض المسائل 2 / 521 : ولا قصاص في النفس الا بالسيف أو ما جرى مجراه من آلة الحديد ، ويقتصر المستوفي على ضرب العنق حال كونه غير ممثل بقطع أُذن أو أنف أو نحو ذلك مطلقا ، ولو كانت الجناية من الجاني بالتحريق للمجني عليه أو التغريق له أو الرضح أي الرمي عليه بالحجارة ونحوها ، من كل مثقّل على الأشهر الأقوى ، بل نفى في الغنية عنه الخلاف بين أصحابنا مشعرا بدعوى الإجماع عليه ، كالفاضل المقداد في التنقيح وشيخنا في الروضة حيث قالا بعد نقل القول بجواز قتله بمثل القتلة التي قتل بها ، ودليله وهو متجه لولا انعقاد الإجماع على خلافه وهو الحجة ، مضافا إلى النصوص المستفيضة ، ففي جملة منها تضمنت الصحيح وغيره عن رجل ضرب رجلا بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتى مات أيدفع إلى ولي المقتول فيقتله ؟ قال : نعم ولكن لا يترك يعبث به ، ولكن يجز عليه بالسيف ، وفي المرسل عن قول اللَّه عز وجل : « فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ » ما هذا الإسراف الذي نهى اللَّه عنه ؟ قال : نهى أن يقتل أو يمثل بالقاتل ، وفي المروي عن قرب الإسناد . وفي آخر عنه أيضا . إلى غير ذلك من النصوص ، خلافا للإسكافي فقال بما مر إما مطلقا كما يحكى عنه كثيرا ، أو مشروطا بما إذا وثق بأنه لا يتعدى كما حكاه عنه في المختلف وبعض أصحابنا لقوله تعالى : « فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » والنبوي : من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه . وفي الجميع نظر عدا الآية الكريمة ، فإنها فيما ذكره ظاهرة والمصير إليه لا يخلو من قوة ، لولا ما قدمناه من الأدلة المعتضدة بالشهرة العظيمة التي كادت أن تكون إجماعا . وعلى المختار لو خالف فقد أساء ولا شيء عليه الا التعزير لفعله المحرم . وفي اللمعتين 2 / 414 : ولا يقتص الا بالسيف فيضرب العنق لا غير ، ان كان الجاني أبانه ، والا ففي جوازه نظر من صدق استيفاء النفس بالنفس ، وزيادة الاستيفاء وبقاء حرمة الآدمي بعد موته ، واستقرب في القواعد المنع . وفي جامع المدارك 7 / 263 : وأما انحصار القصاص بالسيف أو ما جرى مجراه ، فتدل عليه صحيحة الحلبي ورواية أبي الصباح الكناني جميعا عن أبي عبد اللَّه عليه السلام . . وخبر موسى بن بكر عن الكاظم عليه السلام . . ومثل الخبر السابق من دون تفاوت صحيح سليمان بن خالد إلى غير ما ذكر من النصوص . ويمكن أن يقال : ان كان المدار الصدر - صدر الرواية - وكان الذيل متفرعا على الصدر فلا مجال لاستفادة الحصر ، بل مقتضى ما في الكتاب العزيز من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم جواز الاعتداء بالمثل ، وادّعي الإجماع في المسألة ، ومع احتمال أن يكون الإجماع من جهة الاستظهار من الأخبار المذكورة ، يشكل الاعتماد عليه ، ومع ذلك لا مجال للتعدي عن المشهور . ولا يجوز التمثيل لما ذكر في الأخبار المذكورة . وفي تكملة المنهاج 2 / 132 : والمشهور بين الأصحاب أنه لا يقتص الا بالسيف ، وهو الصحيح - تدل على ذلك مضافا إلى إطلاقات أدلة تحريم المثلة صحيحة الحلبي ورواية أبي الصباح الكناني جميعا عن أبي عبد اللَّه عليه السلام . ومن كتب العامة جاء في الفقه الإسلامي وأدلته 6 / 283 كيفية استيفاء القصاص ( أداة القصاص ) هناك رأيان في الفقه في كيفية القصاص : 1 - قال الحنفية ، والأصح عند الحنابلة : لا يكون القصاص في النفس الا بالسيف ، سواء أكان ارتكاب جريمة القتل بالسيف ونحوه أو بمحرم لذاته كالسحر وتجريع خمر ولواط ، أم بمثقل كحجر وعصا ، أم بتغريق أم تحريق أم هدم حائط عليه ، أم حبس أم خنق أم قطع عضو ثمَّ ضرب عنقه ، أم جني عليه جناية غير ما ذكر فمات ، وتوافرت شروط القصاص بحسب كل مذهب ، على ما بينا ، فمن له قود قاد بالسيف ، ولا يفعل بالمقتص منه كما فعل إذا كان القتل بغير السيف لأنه مثلة ، وقد نهي عن المثلة ، ولأن فيه زيادة تعذيب ، لكن لو قام ولي الدم بإلقاء الجاني في بئر ، أو قتله بحجر ، أو بنوع آخر عزّر ، وكان مستوفيا حقه في القصاص . واستدلوا بقول النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : ( لا قود الا بالسيف ) 2 - وقال المالكية والشافعية : يقتل القاتل بالقتلة التي قتل بها أي بمثل الفعل الذي فعله بالقتيل ، ومن ضربه بمحدد كحديد أو سيف ، أو بمثقل كحجر ، أو رمي من شاهق أو خنق أو تجويع ، أو تغريق أو تحريق أو غيرها ، لكن إن عدل الولي عن هذه الوسائل إلى السيف ، جاز بل هو أولى للخروج من الخلاف . ويتعين السيف عند هؤلاء إذا كان القتل بسحر أو خمر أو لواط ، لأن هذا محرم لعينه ، فوجب العدول عنه إلى القتل بالسيف . كما يتعين السيف أيضا عند المالكية إذا طال تعذيب الجاني بمثل فعله ، أو ثبت القصاص بالقسامة ، واختلف المالكية على رأيين في القتل بالنار والسمّ إذا كان القاتل قتل بهما ، فقيل : بالسيف وقيل : يقتل بما قتل به ، وهذا هو مشهور مذهب المالكية . واستدلوا على مذهبهم بالقرآن والسنة والمعقول : اما من القرآن فآيات مثل قوله تعالى : « فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ » - « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » و « جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » ومن السنة قوله عليه السلام : ( من حرّق حرقناه ومن غرق غرقناه ) وثبت ان النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم رض رأس يهودي بين حجرين كان قد قتل بهما جارية من الأنصار . ومن المعقول : ان القصاص معناه المماثلة في الفعل ، فوجب أن يستوفي من الجاني مثل ما فعل ، ثمَّ ان المقصود من القصاص هو التشفي ولا يكمل المطلوب إلا إذا قتل القاتل بمثل ما قتل ، وأما حديث النهي عن المماثلة فمحمول على من وجب قتله ، لا على وجه المكافاة . تنفيذ القصاص بواسطة ولي القتيل : استيفاء القصاص بالسيف ونحوه قد يكون بالجلاد المتخصص إذا رغب عنه مستوفي القصاص ، وقد يكون بنفس مستحق القصاص ، فيمكن من السيف ، ولكن بإشراف الحاكم ، لأن المبدأ الشرعي المتفق عليه أن تنفيذ عقوبات الحدود والقصاص والتعزيرات يكون من اختصاص الإمام ، فيشترط وجوده عند استيفاء العقوبة . وتعتبر مشاركة ولي الدم في القصاص سبيلا لإطفاء لوعته وإزالة حقده ، فتهدأ نفسه ، ويوصد الباب أمام أسرته كيلا تبادر إلى الاقتتال مع أسره القاتل ، قال تعالى : « ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً » وإذا سلم القاتل لولي الدم لأجل استيفاء القصاص منه ، وجب على الحاكم أن ينهاه عن العبث بالجاني ، فلا يشدد عليه بحبس أو تخشيب أو تكتيف قبل القصاص ولا يمثل به بعد القصاص . استعمال وسيلة القصاص بغير السيف : بما ان القصد من استعمال السيف كونه أسرع أداة في القتل وأيسر وسيلة لتفادي الألم والعذاب ، فلا مانع شرعا عن استعمال أداة أخرى أسرع من السيف ، وأقل إيلاما ، وأبعد عن المثلة ، مثل المقصلة التي هي من قبيل السلاح المحدد ، والكرسي الكهربائي التي تسرع في الصعق ، والشنق لعدم إسالة الدم فيه ، والاعتماد على إيقاف القلب به ، والاعدام بغاز معين شبيه بالمخدر . وجاء في الفقه على المذاهب الأربعة 5 / 304 مبحث صفة القصاص في النفس : المالكية قالوا : يجب أن يقتل القاتل بما قتل به ، ولو كان المقتول به نارا لقوله تعالى : « وإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ » قال المفسرون : ان هذه الآية دليل على جواز التماثل في القصاص فمن قتل بحديدة قتل بها ، ومن قتل بحجر قتل به ، ولا يتعدى قدر الواجب ، ويكون القصاص بالنار مستثنى من النهي عن التعذيب بها على المشهور . قالوا : والمعنى ان الحق في القتل للولي بمثل ما قتل به الجاني ، وذلك إذا ثبت القتل بالبينة أو الاعتراف ، أما لو ثبت القتل بقسامة ، فإنه يقتل بالسيف ، وكذلك لو ثبت أن القتل بخمر فيتعين قتل الجاني بالسيف ، وكذا لو أقرّ بأنه قتله لواطا فلا يقتل بما قتل به ، بأن يجعل له خشبة في دبره حتى يموت ، بل يجب أن يقتل بالسيف . . وكذا من قتل بالسحر وثبت عليه ذلك بالبينة أو إقرار فيتعين قتله بالسيف . . وكذلك القتل بالسمّ ، يقتل بالسيف في ظاهر المذهب وكذلك إذا قتله بمنعه عن الطعام أو الماء أو قتله بكثرة الأكل والشراب أو نخسه بإبرة حتى مات على الراجح ، فلا يفعل بالجاني ذلك ، بل يتعين قتله بالسيف . . الشافعية والحنابلة في إحدى رواياتهم قالوا : يجب أن يقتص من القاتل على الصفة التي قتل غيره بها ، وبآلة تشبه الآلة التي استعملها في مباشرة القتل ، حتى يتحقق القصاص ويشعر بالألم الذي شعر به القتيل ، إن كان قتله بفعل مشروع فان مات بهذه الوسيلة التي استعملها والا تحز رقبته بالسيف قتلا لأن مبنى القصاص لغة وشرعا على المساواة وذلك فيما ذكرنا ، لأن فيه مساواة في أصل الوصف والفعل المقصود به ، فمن قتل غيره تغريقا ، قتل تغريقا بالماء ، ومن قتل بضرب حجر قتل بمثل ذلك ، إلا أن يطول تعذيبه بذلك فيكون السيف له أروح ، فإن قطع يد رجل فمات بسبب السراية ، فعل به مثل ذلك ، ويمهل تلك المدة التي مكثها المقتول فان مات والا تحز رقبته بالسيف ، وان كان القتل بشيء غير مسموح به شرعا ، كأن أكرهه على شرب الخمر حتى قتله بها . . فإنه يجب قتله في هذه الحالة بالسيف لأن المماثلة ممتنعة لتحريم الفعل ، ثمَّ يذكر المؤلف حجة القوم من الاستدلال بالآيات والروايات ، وكلمة القصاص من التشفي وأحكام أخرى في المقام . ثمَّ قال : الحنفية قالوا : لا يجوز أن يستوفي القصاص الا بالسيف خاصة في جميع الأحوال سواء كان القتل به أم بغيره ، واحتجوا بقول النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ( لا قود الا بالسيف ) وان الشارع نهى عن المثلة . فقول الرسول نصّ على نفي استيفاء القصاص بغيره ، ويلحق به ما كان سلاحا من غير السيف كالمدفع والبندقية وغيرهما ، ولأن فيما ذهب الأئمة إليه استيفاء الزيادة ، فلم يحصل المقصود بمثل ما فعل الجاني فيجب التحرز عنه ، كما في كسر العظم والجائفة ، ولأن الآلة في الإغراق والخنق والإحراق غير معدة للقتل ولا مستعملة فيه لتعذر استعمالها فتمكنت عدم العمدية . . وأمّا ما رواه الشافعية من قول الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ( من غرق غرقناه ومن حرق حرقناه ومن قتل عبدا قتلناه ) فهو غير مرفوع لأنه يلزم على قولهم أنه يجوز التحريق بالتحريق ، وهو منهي عنه شرعا ، فقد روي عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم أنه قال : ( لا تعذبوا أحدا بعذاب اللَّه ) أو ان الحديث محمول على السياسة ، حيث أضافه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم إلى نفسه فقال ( غرقناه ) ولم يقل صلوات اللَّه عليه ( حرّقوه أو غرّقوه ) وقد استدل الأحناف بهذا الحديث في وجوب القصاص ، ولم يعملوا به في الاستيفاء لقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ( لا قود إلا بالسيف ) فهو أقوى من الحديث الثاني عند أهل الحديث وقد ذكر بعده ، فنسخ حكمه . وفي كتاب المهذب في فقه الإمام الشافعي 2 / 186 : إذا قتل بالسيف لم يقتص منه إلا بالسيف لقوله تعالى : « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » ولأن السيف أرجى الآلات فإذا قتل به واقتص بغيره أخذ فوق حقّه لأن حقه في القتل وقد قتل وعذب ، فإن أحرقه أو غرقه أو رماه بحجر أو رماه من شاهق أو ضربه بخشب أو حبسه ومنعه الطعام والشراب فمات فللولي أن يقتص بذلك لقوله تعالى : « وإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ » ولما روى البراء إن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم قال ( من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه ) ولأن القصاص موضوع على المماثلة والمماثلة ممكنة بهذه الأسباب فجاز أن يستوفي بها القصاص ، وله أن يقتص منه بالسيف لأنه قد وجب له القتل والتعذيب ، فإذا عدل إلى السيف فقد ترك بعض حقه ، فجاز فان قتله بالسحر قتل بالسيف لأن عمل السحر محرم فسقط وبقي القتل ، فقيل بالسيف ، وان قتله باللواط أو بسقي الخمر ففيه وجهان : أحدهما وهو قول أبي إسحاق : انه ان قتله بسقي الخمر قتله بسقي الماء وان قتله باللواط فعل به مثل ما فعله بخشبة ، لأنه تعذر مثله حقيقة ففعل به ما هو أشبه بفعله ، والثاني : انه يقتل بالسيف لأن قتله بما هو محرم في نفسه فاقتص بالسيف . . وان أوضح رأسه بالسيف اقتص منه بحديدة ماضية كالموسي ونحوه ، ولا يقتص منه بالسيف لأنه لا يؤمن أن يهشم العظم . . وفي المغني 9 / 390 فصل : وان قتله بغير السيف مثل أن قتله بحجر أو هدم أو تغريق أو خنق فهل يستوفي القصاص بمثل فعله ؟ فيه روايتان ( أحدهما ) له ذلك وهو قول مالك والشافعي و ( الثانية ) لا يستوفي إلا بالسيف في العنق وبه قال أبو حنيفة فيما إذا قتله بمثقل الحديد على إحدى الروايتين عنده أو جرحه فمات ، ووجه الروايتين ما تقدم في أول المسألة ، ولأن هذا لا تؤمن معه الزيادة على ما فعله الجاني فلا يجب القصاص بمثل آلته كما لو قطع الطرف بآلة كالَّة أو مسمومة أو بالسيف فإنه لا يستوفي بمثله ، ولأن هذا لا يقتل به المرتد فلا يستوفي به القصاص ، كما لو قتله بتجريع الخمر أو بالسحر ، ولا تفريع على هذه الرواية ، فأما على الرواية الأخرى ، فإنه إذا فعل به مثل فعله ، فلم يمت قتله بالسيف وهذا أحد قولي الشافعي ، والقول الثاني أنه يكرر عليه ذلك الفعل حتى يموت به لأنه قتله بذلك فله قتله بمثله . ولنا أنه قد فعل به مثل فعله فلم يزد عليه كما لو جرحه جرحا أو قطع منه طرفا فاستوفى منه الولي مثله ، فلم يمت به فإنه لا يكرر عليه الجرح بغير خلاف ، ويعدل إلى ضرب عنقه فكذا هاهنا . ( فصل ) وان قتله بما لا يحلّ لعينه مثل أن لاط به فقتله ، أو جرعة خمرا أو سحره ، لم يقتل بمثله اتفاقا ويعدل إلى القتل بالسيف ، وحكى أصحاب الشافعي فيمن قتله باللواط وتجريع الخمر وجها آخر ، أنه يدخل في دبره خشبة يقتله بها ، ويجرعه الماء حتى يموت . ولنا أن هذا محرّم لعينه ، فوجب العدول عنه إلى القتل بالسيف كما لو قتله بالسحر ، وان حرقه ، فقال بعض أصحابنا : لا يحرّق ، لأن التحريق محرّم لحق اللَّه تعالى لقول النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : ( لا يعذب بالنار الا رب النار ) ولأنه داخل في عموم الخبر ، وهذا مذهب أبي حنيفة ، وقال القاضي الصحيح أن فيه روايتين كالتغريق : أحدهما : يحرق ومذهب الشافعي لما روى البراء بن عازب أن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم قال : ( من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه ) وحملوا الحديث الأول على غير القصاص في المحرق . وفي سبل السلام من كتب الزيدية 3 / 483 في شرح حديث رض رأس الجارية من قبل اليهودي يقول : أن يكون القود بمثل ما قتل به والى هذا ذهب الجمهور وهو الذي يستفاد من قوله تعالى : « وإِنْ عاقَبْتُمْ » . . وقوله : « فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » وبما أخرجه البيهقي من حديث البراء عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : ( من غرض غرضنا له ومن حرق حرقناه ومن غرق غرقناه ) أي من اتخذه غرضا للسهام وهذا يقيد بما إذا كان السبب الذي قتل به يجوز فعله ، وأما إذا كان لا يجوز فعله كمن قتل بالسحر فإنه لا يقتل به لأنه محرّم ، وفيه خلاف ، قال بعض الشافعية : إذا قتل باللواط أو بايجار الخمر انه يدس فيه خشبة ويوجر الخلّ ، وقيل يسقط اعتبار المماثلة ، وذهب الهادوية والكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يكون الاقتصاص إلا بالسيف ، واحتجوا بما أخرجه البزاز وابن عدي من حديث أبي بكرة عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم أنه قال : ( لا قود إلا بالسيف ) إلا أنه ضعيف . قال ابن عدي : طرقه كلها ضعيفة واحتجوا بالنهي عن المثلة وبقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : ( إذا قتلتم فأحسنوا القتلة ) وأجيب بأنه مخصص بما ذكر وفي قوله ( فأقر ) دليل على أنه يكفي الإقرار مرة واحدة إذ لا دليل على أنه كرر الإقرار . انتهى كلامه .