تقرير بحث السيد المرعشي لعادل العلوي

332

القصاص على ضوء القرآن والسنة

السادس : هل يشترط على الوليّ فيما لو أراد أن يقتصّ من الجاني أن يستأذن الحاكم الشرعي في ذلك ( 1 ) ؟

--> ( 1 ) أشار صاحب الجواهر إلى هذا الموضوع في قوله : ( و ) كيف كان ف ( إذا كان الولي ) للقصاص ( واحدا جاز له المبادرة ) من غير إذن الإمام عليه السلام أو نائبه كما عن موضع من المبسوط واختاره الفاضل وولده والشهيدان وأبو العباس والمقدس الأردبيلي وغيرهم على ما حكي عن بعضهم بل في المسالك نسبته إلى الأكثر وفي الرياض إلى أكثر المتأخرين بل عامتهم . وفي محكي الخلاف ( لا ينبغي أن يقتص بنفسه لأن ذلك للإمام عليه السلام أو من يأمره بلا خلاف ) وعن الغنية ولا يستقد إلا سلطان الإسلام أو من يأذن له في ذلك وهو ولي من ليس له ولي . ثمَّ صاحب الجواهر يذكر مناقشات في هذا المقام ويذهب أولا إلى أنه ( لا دليل حينئذ يعتد به في معارضة إطلاق الأدلة أو عمومها المقتضي كونه كالشفعة وغيرها من الحقوق التي لا يعتبر في استيفائها إذن الإمام عليه السلام ) . ( و ) لكن مع ذلك ( الأولى ) والأحوط ( توقّفه على إذن الإمام عليه السلام ) خروجا عن شبهة الخلاف واحتياطا في الدماء ( و ) أمّا ما ( قيل ) من أنه ( تحرم المبادرة ) كما سمعته فلا دليل معتد به عليه بل ظاهر الأدلة خلافه . ( فراجع الجواهر ج 42 ص 287 - 288 ) . وفي مختلف العلامة 824 قال : مسألة : قال في المبسوط : إذا وجب له على غيره قصاص ، فإن كان نفسا فلولي الدم أن يقتص بنفسه لقوله تعالى : « ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً » وقال بعض علمائنا ليس له ذلك إلا بإذن الحاكم حذرا من التجاوز والتخطي ، وقال في موضع آخر منه : فإذا وجب لرجل على غيره قود في نفس أو طرف لم يكن له أن يستوفيه بنفسه بغير سلطان ، لأنه من فروض الأئمة ، فإن خالفه وبادر واستوفى حقه وقع موقعه ولا ضمان ، وعليه التعزير ، وقال بعضهم : لا تعزير عليه ، والأول أصحّ لأن للإمام حقا في استيفائه ، وقال في الخلاف : إذا وجب الإنسان قصاص في نفس أو طرف فلا ينبغي أن يقتص بنفسه فان ذلك للإمام أو من يأمره الإمام بلا خلاف ، فان بادر واستوفاه بنفسه وقع موقعه ولا شيء عليه ، لأصالة البراءة ، ومن أوجب التعزير فعليه الدلالة ، والوجه ما ذكره الشيخ أولا للآية ، والتجاوز حرام ليس له فعله . انتهى كلامه . أقول : ربما يقال بالتعزير من باب المخالفة ، فكان عليه الاستيذان واجبا بناء على ذلك فخالف الواجب فيعزّر بما يراه الحاكم من المصلحة . وفي رياض المسائل 2 / 521 ، وللولي الواحد المبادرة بالقصاص بنفسه بعد تيقنه بثبوته من دون توقف على شيء وفاقا لأحد قولي المبسوط ، وعليه أكثر المتأخرين بل عامّتهم ، لأنه كالآخذ بالشفعة وسائر الحقوق ولعموم فقد جعلنا لوليه سلطانا ونحوه من الأدلة الدالة على جواز اقتصاص الولي من الجاني بتعمده الجناية من دون دلالة فيها على توقفه على شيء ولا إشارة ، وقيل كما عن الخلاف وموضع آخر من المبسوط . أنه يتوقف على إذن الحاكم ويحرم بدونه ، وان لم يضمن أرشا ولا دية ، وعليه الفاضل في القواعد ، ولعله الظاهر من الغنية . . فإن تمَّ فهو الحجة . . ولا ريب أن الاستيذان هو الأحوط سيما مع نقل نفي الخلاف الذي مرّ مع عدم ظهور وهنه من الخارج إذ لم يخالف فيه من القدماء عدا الشيخ في أحد قوليه وهو بمجرده لا يوجب القدح فيه . . قال العلامة في القواعد 299 : وإذا كان الولي واحدا جاز أن يستوفي من غير إذن الإمام على رأي ، نعم الأقرب التوقف على إذنه خصوصا الطرف . وفي الرياض : وتتأكد الكراهة في قصاص الطرف ، قيل لأنه بمثابة الحدّ وهو من فروض الإمام ، ولجواز التخطي مع كون المقصود معه بقاء النفس بخلاف القتل ، ولأن الطرف في معرض السراية ، ولئلا يحصل مجاحدة . وفي المسالك 2 / 477 : القول بتوقف استيفاء القصاص مطلقا على إذن الإمام للشيخ في المبسوط والخلاف ، واختاره العلامة في القواعد لأنه يحتاج في إثبات القصاص واستيفائه إلى النظر والاجتهاد لاختلاف الناس في شرائط الوجوب ، وفي كيفية الاستيفاء ، ولأن أمر الدماء خطير ، فلا وجه لتسلط الآحاد عليه ، ولأنه عقوبة تتعلق ببدن الآدمي فلا بد من مراجعة الحاكم كحدّ القذف ، واختار الأكثر ومنهم الشيخ في المبسوط أيضا والعلامة في القول الآخر إلى جواز الاستقلال بالاستيفاء كالأخذ بالشفعة وسائر الحقوق ، ولعموم قوله تعالى : « فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً » فتوقفه على الاذن ينافي إطلاق السلطنة . ثمَّ اختلف قولا الشيخ على تقدير التوقف في تعزيره مع المخالفة وعدمه فأثبته في المبسوط ونفاه في الخلاف ، والذي يناسب تحريم المبادرة بدون الاذن ثبوت التعزير لفعل المحرم كغيره ، ويتأكد الحكم فيه وجوبا واستحبابا في الطرف لأنه بمثابة الحدّ ، وهو من فروض الإمام ولجواز التخطَّي مع كون المقصود معه بقاء النفس بخلاف القتل ، ولأن الطرف في معرض السراية ولئلا تحصل مجاحدة . وفي إيضاح الفوائد 4 / 622 في قول والده العلامة في القواعد ( وإذا كان الولي واحدا جاز أن يستوفي من غير إذن الإمام على رأي ، نعم الأقرب التوقف على اذنه خصوصا الطرف ) قال الشيخ رحمه اللَّه في المبسوط بالتوقف لأنها مسألة اجتهادية مبنية على الاحتياط التام ، فيكون منوطة بنظر الإمام ، وقال في موضع آخر منه بعدم التوقف ، وقال في الخلاف أنه يتوقف على إذن الإمام ، فإن حلف لم يعزر ، وقال في المبسوط يعزر ، واختار والدي ان التوقف على إذن الإمام في الطرف أولى منه في النفس لأنه من فروض الإمام ، ولجواز التخطي فإنه معرض للسراية واختار المصنف في المختلف عدم التوقف على الإذن وهو الأقوى عندي ، لعموم قوله تعالى : « فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً » ومعنى التوقف ان إباحة الاستيفاء موقوفة على إذن الإمام ، فيحرم قبله ، لكن ان خالف واستوفى من دون الاذن لا يضمن دية ولا أرشا ، بل يكون مأثوما . وفي اللمعتين 2 / 415 : يجوز للولي الواحد المبادرة إلى الاقتصاص من الجاني من غير إذن الإمام لقوله تعالى : « فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً » لأنه حقه ، والأصل براءة الذمة من توقف استيفاء الحق على استئذان غير المستحق ، وان كان استيذانه أولى ، لخطره واحتياجه إلى النظر ، وخصوصا في قصاص الطرف ، لأن الغرض معه بقاء النفس ، ولموضع الاستيفاء حدود لا يؤمن من تخطيها لغيره . وذهب جماعة إلى وجوب استيذانه مطلقا ، فيعزّر لو استقل واعتد به . وفي تكملة المنهاج 2 / 128 : إذا كان ولي المقتول واحدا ، جازت له المبادرة إلى القصاص ، والأولى الاستئذان من الإمام عليه السلام ولا سيما في قصاص الأطراف ، اما جواز المبادرة إلى القصاص لإطلاقات أدلة الاقتصاص وعدم تقييدها بالاستجازة من الإمام خلافا للمشهور ، حيث ذهبوا إلى تقييد تلك الإطلاقات بما بعد الاذن ، واما انه الأولى الاستئذان فلدعوى عدم الخلاف في كلمات بعضهم على ذلك ، وهي وان لم تكن حجة ، الا أنها تصير منشأ للاحتياط الاستحبابي والأولوية ، ويتأكد ذلك في قصاص الأطراف من جهة دعوى الإجماع فيها . ومن كتب العامة جاء في المهذب 2 / 184 : ولا يجوز استيفاء القصاص إلا بحضرة السلطان لأنه يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن فيه الحيف ، مع قصد التشفي ، فإن استوفاه من غير حضرة السلطان عزره على ذلك ، ومن أصحابنا من قال لا يعزر ، لأنه استوفى حقه والمنصوص أنه يعزر لأنه افتيات على السلطان ، والمستحب أن يكون بحضرة شاهدين حتى لا ينكر المجني عليه الاستيفاء ، وعلى السلطان أن يتفقد الآلة التي يستوفي بها القصاص فان كانت كالَّة منع من الاستيفاء بها ، لما روى شداد بن أوس ( رض ) إن النبي قال : ( إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ) وان كانت مسمومة منع من الاستيفاء بها لأنه يفسد البدن ويمنع من غسله ، فان عجل واستوفى بآلة كالَّة أو بآلة مسمومة عزر ، فان طلب من له القصاص أن يستوفي بنفسه ، فإن كان في الطرف لم يمكن منه ، لأنه لا يؤمن مع قصد التشفي أن يجني عليه بما لا يمكن تلافيه ، وان كان في النفس ، فإن كان يكمل للاستيفاء بالقوة والمعرفة مكن منه لقوله تعالى : « ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً » ولقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : ( فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية ) ولأن القصد من القصاص التشفي ودرك الغيظ فمكن منه ، وان لم يكمل الاستيفاء أمر بالتوكيل ، فإن لم يكن من يستوفي بغير عوض استؤجر من خمس المصالح من يستوفي ، لأن ذلك من المصالح ، وان لم يكن خمس أو كان ولكنه يحتاج إليه لما هو أهم منه وجبت الأجرة على الجاني لأن الحق عليه ، فكانت أجرة الاستيفاء عليه كالبائع في كيل الطعام للبيع ، فان قال الجاني أنا أقتص لك بنفسي ولا أؤدّي الأجرة لم يجب تمكينه منه لأن القصاص أن يؤخذ منه مثل ما أخذ ، ولأن من لزمه إبقاء حق لغيره لم يجز أن يكون هو المستوفي كالبائع في كيل الطعام المبيع ، فإن كان القصاص لجماعة وهم من أهل الاستيفاء وتشاحوا أقرع بينهم ، لأنه لا يجوز اجتماعهم على القصاص ، لأن في ذلك تعذيبا للجاني ، ولا مزية لبعضهم على بعض فوجب التقديم بالقرعة . وفي المغني 9 / 393 : فصل : قال القاضي : ولا يجوز استيفاء القصاص إلا بحضرة السلطان وحكاه عن أبي بكر وهو مذهب الشافعي . . ويحتمل أن يجوز الاستيفاء بغير حضور السلطان إذا كان القصاص في النفس لأن رجلا أتى النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم برجل يقوده بنسعة فقال ان هذا قتل أخي فاعترف بقتله ، فقال النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : ( اذهب فاقتله ) رواه مسلم بمعناه ، ولأن اشتراط حضور السلطان لا يثبت الا بنص أو إجماع أو قياس ولم يثبت ذلك ، ويستحب أن يحضر شاهدين لئلا يجحد المجني على الاستيفاء . .