تقرير بحث السيد المرعشي لعادل العلوي

204

القصاص على ضوء القرآن والسنة

المقصد الثاني في كمّيّة القسامة يقع الكلام في عدد اليمين في القسامة ، ورأيت في المسألة حسب التتبع أربعة أقوال : الأول : خمسون يمينا في القتل مطلقا ، أي العمد وشبهه والخطأ ، ذهب إليه المفيد ( 1 ) وسلَّار وابن الجنيد وجمع كثير ، وادعى ابن إدريس عليه إجماع

--> ( 1 ) قال الشيخ المفيد في المقنعة ص 728 : وإذا لم يوجد في الدم رجلان عدلان يشهدان بالقتل وأحضر ولي المقتول خمسين رجلا من قومه يقسمون باللَّه تعالى على قاتل صاحبهم ، قضي بالدية عليه ، فان حضر دون الخمسين حلف وليّ الدم باللَّه من الأيمان ما يتمّ بها الخمسين يمينا ، وكان له الدية ، فإن لم يكن له قسامة حلف هو خمسين يمينا ووجبت له الدية . ولا تكون القسامة إلا مع التهمة للمطالب بالدم والشبهة في ذلك . والقسامة فيما دون النفس بحساب ذلك ، وسأبين القول في معناه عند ذكر أحكام الديات والقصاص إن شاء اللَّه . وفي ص 730 قال : والقسامة خمسون رجلا على ما قدّمناه في النفس وفيما دونها بحساب ذلك في الديات . ولا يعتبر في القسامة ما يعتبر في الشهود من العدالة والأمانة . وإذا لم يوجد خمسون رجلا في الدم وغيره من الجراح ووجد دون عددهم كرّرت عليهم الأيمان حتى تبلغ العدد . ويقسم مدّعي الدم إذا لم يكن معه غيره خمسين يمينا باللَّه عز وجل على ما ذكرناه . وفي خلاف الشيخ 3 / 135 : مسألة : القسامة يراعى فيها خمسون من أهل المدعي يحلفون فإن لم يكونوا حلف الولي خمسين يمينا ، وقال من وافقنا في القسامة أنه لا يحلف إلَّا وليّ الدم خمسين يمينا ، دليلنا : إجماع الفرقة وأخبارهم وأيضا الخبر الذي قدمناه من رواية حماد بن زيد من قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم للأنصار يحلف خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته ، يدل على ما قلناه ، فان قالوا هذا منسوخ قلنا : لا نسلم ما تدعونه ومن ادعى النسخ فعليه الدلالة . وقال : إذا كان المدعي واحدا فعليه خمسون يمينا بلا خلاف ، وكذلك المدعى عليه ان كان واحدا فعليه خمسون يمينا ، وان كان المدعون جماعة فعليهم خمسون يمينا عندنا ولا يلزم كل واحد خمسون يمينا ، وكذلك في المدعى عليه ان كان واحدا لزمته خمسون يمينا ، وان كانوا جماعة لم يلزمهم أكثر من خمسين يمينا ، وللشافعي فيه قولان في الموضعين : أحدهما : مثل ما قلناه في الموضعين ، والثاني : يلزم كل واحد خمسون يمينا في الموضعين إلا أنه قال أصحّهما ان في جنبة المدعي خمسين يمينا بالحصص من الدية للذكر مثل حظ الأنثيين ، فإن تبعّض في واحد كمل يمينا تامة ، وأصحهما في جنبة المدعى عليه أن يلزم كل واحد خمسون يمينا ، دليلنا : إجماع الفرقة وأخبارهم ، وأيضا براءة الذمة وما قلناه مجمع على لزومه ، وما قالوه ليس عليه دليل ( 3 / 137 ) . وقال العلامة في المختلف 788 : الفصل الثاني : فيما يثبت به القتل ، مسألة : اختلف الشيخان في عدد القسامة في قتل الخطأ ، فقال الشيخ في النهاية : وان كان خطأ فخمسة وعشرون رجلا يقسمون مثل ذلك ، وكذا قال في المبسوط والخلاف وادعى فيه إجماع الطائفة وأخبارهم وتبعه ابن البراج وابن حمزة ، وقال المفيد رحمه اللَّه تعالى : يثبت بخمسين يمينا ، وتبعه سلار وهو اختيار ابن إدريس وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد ، والوجه ما قاله الشيخ ، لنا : انه أدون من قتل العمد فناسب تخفيف القسامة ، ولأن التهجم على الدم بالقود أضعف من التهجم على أخذ الدية فكان التشديد في الأول الأولى . أقول : يبدو ان هذه الوجوه من الاستحسانات العقلية التي لا أثر لها في الحكم الشرعي التعبدي فالأولى الاستدلال بالروايات كما قال قدس سره : وما رواه عبد اللَّه بن سنان في الصحيح عن الإمام الصادق عليه السلام قال : القسامة خمسون رجلا في العمد وفي الخطأ خمسة وعشرون رجلا وعليهم أن يحلفوا باللَّه ، وفي الحسن عن يونس عن الإمام الرضا عليه السلام ان أمير المؤمنين عليه السلام جعل القسامة في النفس على العمد خمسين رجلا وجعل في النفس على الخطأ خمسة وعشرون رجلا . وقال العلامة في المختلف 825 مسألة : قال الشيخ في الخلاف إذا كان المدعي واحدا فعليه خمسون يمينا بلا خلاف ، وكذلك المدعى عليه ان كان واحدا فعليه خمسون يمينا ، فإن كان المدّعون جماعة فعليهم خمسون يمينا عندنا ، ولا يلزم كل واحد خمسون يمينا ، وكذا في المدعى عليه ان كان واحدا لزمه خمسون يمينا ، وان كانوا جماعة لم يلزمهم أكثر من خمسين يمينا ، وللشافعي فيه قولان في الموضعين أحدهما مثل ما قلناه في الموضعين ، والثاني يلزم كل واحد خمسون يمينا في الموضعين إلا أنه قال : أصحّهما أن في جنبة المدعي خمسين يمينا بالحصص من الدية للذكر مثل حظ الأنثيين ، فإن تبعّض في كل واحد كمل يمينا تامة ، وأصحّهما في جنبة المدعى عليه أن يلزم كل واحد خمسين يمينا ، دليلنا : إجماع الفرقة وأخبارهم ، وأيضا براءة الذمة ، وما قلناه مجمع على لزومه وما قالوه ليس عليه دليل ، وقال في المبسوط : فإن كان المدعى عليه واحدا حلف خمسين يمينا ، وان كانوا جماعة ، قال قوم : يحلف كل واحد خمسين يمينا وقال آخرون : يحلف الكل خمسين يمينا وهو مذهبنا ، ولكن على عدد الرؤوس الذكر والأنثى فيه سواء ، والأقوى في المدعى عليه أن يحلف كل واحد خمسين يمينا وفي المدعي ان على الكل خمسين يمينا - ثمَّ يذكر الفرق بينهما ويقول المصنف : والوجه ما قاله في الخلاف . وفي الرياض 2 / 518 : ومع تحقق اللوث يكون للأولياء إثبات دعوى القتل على المتهم مطلقا بالقسامة إجماعا منّا على الظاهر المصرّح به في كثير من العبائر مضافا إلى الصحاح المستفيضة وغيرها مع أنه لم ينقل الخلاف في شرعيتها الا عن أبي حنيفة وهي في العمد خمسون يمينا إجماعا على الظاهر المصرّح به في جملة من العبائر . . وكأنهم لم يعتدوا بخلاف ابن حمزة حيث قال : انها خمسة وعشرون ، بل إطلاقها من الفتوى والرواية على خلافه واضحة المقالة ، مع مخالفته الأصل والاحتياط بلا شبهة ، وفي الخطأ وشبهه خمسة وعشرون على الأظهر ، وفاقا للشيخ في كتبه الثلاثة والمرتضى والصهرشتي والطبرسي وابن حمزة والفاضلين هنا وفي الشرائع والمختلف ، ويميل إليه الشهيدان في النكت والمسالك وظاهر المقداد في التنقيح وغيرهم من المتأخرين ، وجعله المشهور في القواعد ، وادّعى عليه الشيخ إجماع الطائفة ، ونسبه في الغنية إلى رواية الأصحاب مشعرا بالإجماع عليها وهو الحجة مضافا إلى المعتبرة . . خلافا للمفيد والديلمي والحلي وغيرهم فساووا بينه وبين العمد في الخمسين ، واختاره الفاضل في صريح الإرشاد والقواعد وظاهر التحرير وولده في الإيضاح والشهيدان في اللمعتين ومستندهم غير واضح ، عدا الأصل والاحتياط وإطلاقات الأخبار بالخمسين ، والأول مخصص بما مرّ ، والثاني معارض بالمثل ، فإن زيادة الايمان على الحالف تكليف ينافي إلزام المكلف به طريقة الاحتياط ، والأخبار لا إطلاق لها ، فإنها ما بين نوعين : نوع ورد في قضية عبد اللَّه بن سهل وسياقها أجمع ظاهر بل صريح في قتله عمدا . . مع أنها على تقدير تسليم إطلاقها قضية في واقعة لا عموم لها ينفع المتنازع قطعا . . وبالجملة لا ريب في ضعف هذه الأدلة وعدم صلوحها للحجية فضلا أن يعترض بها نحو الأدلة السابقة ، مع ما هي عليه من الكثرة والخلوص عن شائبة الوهن والريبة ، فهذا القول ضعيف في الغاية ، وان ادعى عليه إجماع المسلمين في السرائر ، والشهرة في الروضة لظهور وهن الأول بمخالفة عظماء الطائفة ، مع أنه لم ينقل موافقا له عدا المفيد خاصة ، وعلى تقدير سلامته عن الوهن فهو معارض بإجماع الشيخ وبنحو هذا يجاب عن دعوى الشهرة ، فإنها على تقدير تسليمها معارضة بنقل الشهرة على الخلاف في القواعد كما عرفته ، وبالجملة المذهب القول الأول ، وان كان الثاني أحوط ، لكن لا مطلقا كما زعموه ، بل إذا بذل الحالف الزيادة برضاه ورغبته ، والا فإلزامه بها خلاف الاحتياط أيضا كما عرفته . انتهى كلامه رفع اللَّه مقامه . وانما نقلت عبارته برمّتها ليقف المطالع الكريم على اختلاف الأقوال بين علمائنا الأعلام أولا ، ثمَّ معارضتها بعضها مع بعض ، وكيفية الاستدلال والمناقشات واستخراج ما هو القريب من الصواب والوجه في ذلك ، فتأمل فمثل هذه الطريقة سيّالة في الفقه ، يحتاج المجتهد إليها كثيرا في مقام استنباط الحكم الشرعي واختلاف الفقهاء الكرام ، ومن اللَّه التوفيق والسداد وهو العالم بحقائق الأمور . وجاء في المسالك 2 / 473 : لا خلاف في أن الأيمان في العمد خمسون يمينا ، وفي الخبر السابق المروي عن النبي ما يدل عليه ، وأما في الخطأ ففيه قولان : المساواة ذهب إليه من الأصحاب المفيد وسلار وابن إدريس وابن الجنيد وجماعة آخرون ، بل ادعى عليه ابن إدريس إجماع المسلمين ومستنده عموم النص ، وإطلاقها كالخبر السابق ، ويشكل بأنه حكاية حال ، فلا يعم ، وبأن ظاهره بل بعض عباراته يقتضي ان القتل وقع عمدا ، وذهب الشيخ وأتباعه والمصنف والعلامة في أحد قوليه إلى أنها فيه خمسة وعشرون ولصحيحة عبد اللَّه بن سنان عن الصادق عليه السلام قال : القسامة خمسون رجلا في العمد والخطأ خمسة وعشرون رجلا ، وعليهم أن يحلفوا باللَّه ، وحسنة يونس عن الرضا عليه السلام أن أمير المؤمنين جعل القسامة في النفس على العمد خمسين رجلا ، وجعل على الخطأ خمسة وعشرين رجلا ، والتفصيل قاطع للشركة ، والمصنف جعل التسوية أوثق في الحكم ، والتفصيل أظهر في المذهب ، وهو حسن ، إذا تقرر ذلك فإنه يبدأ أولا بالمدعي وقومه وهم أقاربه ، فإن بلغوا العدد المعتبر حلف كل واحد منهم يمينا وان لم يبلغوا تكررت عليهم بالسوية أو التفريق يثبت القتل ، ولو عدم قومه أو امتنعوا أو امتنع بعضهم لعدم علمه بالحال أو اقتراحا ، حلف المدعي ومن توافقه منهم العدد ، ولا فرق بين كون القوم ممن يرث القصاص والدية وكانوا هم المدعين أو غير وارثين أو بالتفريق . وفي اللمعتين 2 / 410 : ولو لم يكن له قسامة ، أي قوم يقسمون - فان القسامة تطلق على الأيمان وعلى المقسم - وعدم القسامة اما لعدم القوم أو وجودهم مع عدم علمهم بالواقعة فإن الحلف لا يصح الا مع علمهم بالحال أو لامتناعهم عنها تشهيا فان ذلك غير واجب عليهم مطلقا ، أو امتنع المدعي من اليمين وان بذلها قومه أو بعضهم ، أحلف المنكر وقومه خمسين يمينا ببراءته ، فان امتنع المنكر من الحلف أو بعضه ، الزم الدعوى ، وان بذلها قومه بناء على القضاء بالنكول ، أو بخصوص هذه المادة من حيث أن أصل اليمين هنا على المدعي ، وانما انتقل إلى المنكر بنكوله ، فلا تعود إليه كما لا تعود من المدعي إلى المنكر بعد ردها عليه ، وقيل والقائل الشيخ في المبسوط ، له ردّ اليمين على المدعي كغيره من المنكرين ، فيكفي حينئذ اليمين الواحدة ، كغيره وهو ضعيف لما ذكر . وفي تكملة المنهاج 2 / 107 : في القتل العمدي خمسون يمينا - على المشهور شهرة عظيمة ، بل ادعي عليه الإجماع وتدل على ذلك صحيحة عبد اللَّه بن سنان . . وصحيحة يونس وابن فضال جميعا عن الرضا عليه السلام . . وخالف في ذلك ابن حمزة ، حيث قال : انها خمس وعشرون في العمد إذا كان هناك شاهد واحد ، وفيه انه مبني على أن الخمسين بمنزلة شاهدين عدلين ، وهو اعتبار ضعيف جدا ، فلا يمكن جعله مدركا لحكم شرعي ، على أنه مخالف لإطلاق هاتين الصحيحتين - وفي الخطأ المحض والشبيه بالعمد خمس وعشرون يمينا - على الأشهر بين الأصحاب ، وتدل على ذلك الصحيحتان المتقدمتان ، وخالف في ذلك جماعة ، منهم المفيد والديلمي وابن إدريس والفاضل وولده والشهيدان ، وذهبوا إلى أنه لا فرق في ذلك بين العمد والخطأ ، وفيه أنه مخالف لصريح الصحيحتين المتقدمتين ، فلا يمكن القول به - وعليه فان أقام المدعي خمسين رجلا يقسمون فهو ، والا فالمشهور تكرير الأيمان عليهم حتى يتم عدد القسامة وهو غير بعيد - بل ادعى عليه الإجماع في كلمات غير واحد من الأصحاب ، ولم ينقل الخلاف في المسألة عن أحد ، إلا أنه لم يرد فيها نص ، بل مقتضى صحيحتي بريد بن معاوية وزرارة وغيرهما أن القود يتوقف على حلف خمسين رجلا . . وعلى الجملة فإن تمَّ إجماع في المقام - كما أنه ليس ببعيد - فهو ، والا فثبوت القود بتكرير الأيمان مشكل جدا ، نعم يؤكد ذلك ما ورد في غير واحد من الروايات من أن القسامة إنما جعلت احتياطا للناس ، لئلا يغتال الفاسق رجلا فيقتله ، حيث لا يراه أحد ، فإذا كانت علة جعل القسامة ذلك فكيف يمكن تعليق القود على حلف خمسين رجلا ، فإنه أمر لا يتحقق الا نادرا ، فكيف يمكن أن يكون ذلك موجبا لخوف الفاسق من الاغتيال . وفي كتب العامة جاء في الفقه الإسلامي وأدلته 6 / 403 المطلب السادس : كيفية القسامة ( صيغتها وحالفها ) : اختلف الفقهاء فيمن يبدأ بحلف الأيمان الخمسين ، هل المدعون أم المدعى عليهم ؟ 1 - فقال الحنفية : يبدأ بتحليف المدعى عليهم ، كما هو الأصل في أن اليمين على المدعى عليه ، ويتخيرهم ولي الدم ، لأن اليمين حقه ، فيختار من يتهمه بالقتل فيحلف كل واحد منهم : ( باللَّه ما قتلته ولا علمت له قاتلا ) - ثمَّ يذكر المؤلف بعض الروايات في هذا المقام ويقول - : وان امتنع المدعى عليهم أو بعضهم عن الحلف ، حبسوا حتى يحلفوا ، لأن اليمين فيه مستحقة لذاتها ، تعظيما لأمر الدم . 2 - وقال المالكية والشافعية والحنابلة وداود الظاهري : يبدأ المدعون أولياء القتيل بالأيمان الخمسين ، عملا بحديث سهل بن أبي حنتمة المتقدم . . فيحلف كل ولي بالغ عاقل منهم أمام الحاكم والمدعى عليه وفي المسجد الأعظم بعد الصلاة عند اجتماع الناس : ( باللَّه الذي لا إله إلا هو لقد ضربه فلان فمات أو لقد قتله فلان ) ويشترط أن تكون اليمين قاطعة ( على البتّ ) في ارتكاب المتهم الجريمة . . فإذا لم يحلف المدعون ، حلف المدعى عليه خمسين ، وبرئ فيقول : ( واللَّه ما قتلته ولا شاركت في قتله ، ولا تسببت في موته ) لقول النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : ( فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم ) أي يتبرأون منكم . فإن لم يحلف المدعون ، ولم يرضوا بيمين المدعى عليه ، برئ المتهمون ، وكانت دية القتيل في بيت المال عند الحنابلة ، خلافا للمالكية والشافعية ، وان نكل ( امتنع ) المدعى عليهم عن اليمين ، ردت الأيمان عند الشافعية على المدعين ، فان حلفوا عوقب المدعى عليهم ، حبس حتى يحلف أو يموت في السجن ، وقيل : يجلد مائة ويحبس عاما . ولا يحبس عليها عند الحنابلة كسائر الأيمان .