تقرير بحث السيد المرعشي لعادل العلوي

126

القصاص على ضوء القرآن والسنة

الطريق الثالث القسامة وفيه مقاصد ( 1 ) :

--> ( 1 ) بحث القسامة في الشرائع وشرحه جواهر الكلام يقع ضمن مقاصد ثلاثة : الأول : في اللوث . الثاني : في كيفية القسامة . الثالث : في أحكامها ، ولكن جعلنا المقصد الأول في بيان مقدمات ومنها اللوث فلا تغفل . وجاء في المراسم في الفقه الإسلامي للفقيه حمزة بن عبد العزيز الديلمي ص 232 في أحكام البينات : وهي أربعة أضرب : صفاتها وفيماذا تقبل أو لا تقبل ، وإعداد الشهادة في الأحكام وكيفية إيقاع الشهادة وكيفية سماعها . . والاعداد على ضربين : إعداد القسامة وإعداد غير القسامة ، فإعداد القسامة على ضربين : قسامة قتل النفس وماله حكم النفس في الجنايات وهذه غاية الاعداد في البينات ، وهو : خمسون رجلا يحضرهم أولياء المقتول إذا لم تكن لهم بينة رجلان عدلان يشهدان بقتله ، فيكونوا من قومه يقسمون باللَّه : ان هذا قتل صاحبهم . ولا قسامة إلا مع التهمة للمطالب . والثاني : قسامة ما دون ذلك وهو بحسابه . وقال ابن حمزة الطوسي في الوسيلة ص 459 : وأما القسامة فهي عبارة عن كثرة اليمين ، أو عن تغليظ اليمين بالعدد ولا يكون لها حكم الا مع اللوث . وقال العلامة في القواعد في المطلب الثالث القسامة وفيه مباحث الأول : في موضع القسامة : إنما يثبت مع اللوث لا مع عدمه ، فيحلف المنكر يمينا واحدة ، ولا يجب التغليظ ، وان نكل قضى عليه مع يمين المدعي أو بغير يمين على الخلاف المتقدم . وقال المحقق الطباطبائي في رياض مسائله 2 / 517 : وأما القسامة فهي لغة من القسم بالتحريك وهو اليمين ، وشرعا : الإيمان التي تقسم على الأولياء في الدم ، وقد يسمّى الحالفون قسامة ، على طريق المجاز لا الحقيقة ، وصورتها أن يوجد قتيل في موضع لا يعرف من قتله ولا يقوم عليه بينة ولا إقرار ، ويدعي الولي على واحد أو جماعة ، فيحلف على ما يدعيه ويثبت به دم صاحبه ، ولا يثبت الا مع اقتران الدعوى باللوث بلا خلاف أجده حتى من نحو الحلَّي ، وظاهرهم الإجماع عليه كما صرح به في الغنية ، ولكن ناقشهم بعض الأجلة ، حيث قال بعد نقله جملة الأخبار المتعلقة بالقسامة الدالة على ثبوتها في الشريعة من طرق العامة والخاصة ، كالنبوي : البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة ، والصحيح عن القسامة كيف كانت ؟ فقال : هي حق وهي مكتوبة عندنا ، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضا ، ثمَّ لم يكن شيء ، وانما القسامة نجاة للناس ، والصحيح عن القسامة ؟ فقال : الحقوق كلها ، البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ، الا في الدم خاصة - حيث قال بعض الأجلة - ما لفظه : هذه الأخبار خالية عن اعتبار اللوث لفظا ، يعني لم يؤخذ للقسامة شرط اللوث ، نعم في بعضها وجد القتيل في قليب أو قرية وغير ذلك ، وليس ذلك بواضح ولا صريح في اشتراط اللوث ، إلى أن قال : فكان على ذلك إجماعا أو نصا ما اطلعت عليه . أقول وباللَّه سبحانه التوفيق : لعل الوجه فيما ذكروه من اشتراط اللوث مخالفة القسامة للقاعدة ، فإن إثبات الدعوى بقول المدعي ويمينه على خلاف الأصل ، لأنه حكم بغير دليل ، ولقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : لو يعطى الناس بأقوالهم لاستباح قوم دماء قوم وأموالهم فيجب الاقتصار فيها على المتيقن من النص والفتوى ، وليس الا ما ذكرنا لورود أكثر النصوص في قضية عبد اللَّه بن سهل المشهورة ، وفيها اللوث بلا شبهة ، وهي الأصل في شرعية القسامة . . هذا مع أن عدم اعتبار اللوث يستلزم عدم الفرق بين قتيل يوجد في قرية أو محلة أو نحو ذلك من الأمثلة الآتية ، وقتيل يوجد في سوق أو فلاة أو جمعة ، مع أن الفتاوى والنصوص مطبقة بالفرق بينهما بثبوت القسامة في الأول دون الثاني . . وبالجملة لا ريب في اعتبار اللوث ولا شبهة وهو امارة تقرن الدعوى بحيث يغلب معها الظن بصدق المدعي في دعواه ، وذلك بالنسبة إلى الحاكم ، أما المدعي فلا بد أن يكون عالما جازما بما يدعيه ، لما مرّ من اشتراط الجزم في المدعي ، وسميت هذه الامارة لوثا ، لإفادتها قوة الظن ، فإنه في اللغة بفتح اللام : القوة . وهي كما لو وجد قتيل في دار قوم أو محلتهم أو قريتهم أو وجد بين قريتين وهو إلى أحدهما أقرب فهو لوث . ولو تساوى مسافتهما كانتا سواء في اللوث . . وفي المسالك 2 / 472 في قوله ( وأما القسامة فيستدعي ) : القسامة لغة اسم للأولياء الذين يحلفون على دعوى الدم ، وفي لسان الفقهاء اسم للايمان وفي الصحاح : القسامة هي الإيمان يقسم على الأولياء في الدم ، وعلى التقديرين فهو اسم أقيم مقام المصدر ، يقال : أقسم أقساما وقسامة وهي الاسم كما يقال أكرم إكراما وكرامة ، ولا اختصاص لها بأيمان الدماء لغة ، لكن الفقهاء خصّوها بها ، وصورتها : أن يوجد قتيل في موضع لا يعرف من قتله ولا يقوم عليه بينة ، ويدعي الولي على واحد أو جماعة ، ويقترن بالواقعة ما يشعر بصدق الولي في دعواه ، ويقال له اللوث ، فيحلف على ما يدعيه ويحكم بما سيذكر ، والأصل فيه ما روي أن عبد اللَّه بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر . . إلى آخر القصة وفي رواية أخرى قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة ، ثمَّ القسامة خالفت غيرها من أيمان الدعاوي في أمور منها : كون اليمين ابتداء على المدعي ، وتعدد الأيمان فيها وجواز حلف الإنسان لإثبات حق غيره ، ولنفي الدعوى عن حق غيره وعدم سقوط الدعوى من نكول من توجهت عليه اليمين إجماعا ، بل يردّ اليمين على غيره ، ولو لم يجتمع شروطها ، فالحكم فيها كغيرها من الدعاوي كيفية وكمية عملا بالعموم ، ووقوفها فيما خالف الأصل على مورده ، فهذا هو القول الجملي في القسامة ، ولما كان اللوث قرينة حال تثير الظن وتوقع في القلب صدق المدعي ذكر له طرق - وهي الأمثلة التي ذكرناها في اللوث - فراجع . وفي السرائر 3 / 338 في القسامة : خمسون رجلا منهم يقسمون باللَّه تعالى ان المدعى عليه قتل صاحبهم ، ان كان القتل عمدا ، وان كان خطأ خمسة وعشرون رجلا يقسمون مثل ذلك ولا يراعى فيهم العدالة . والأظهر عندنا ان القسامة خمسون رجلا يقسمون خمسين يمينا سواء أكان القتل عمدا محضا أو خطأ محضا أو خطأ شبيه العمد . وهذا مذهب شيخنا المفيد محمّد بن النعمان ، قد ذكره في مقنعته ، والأول مذهب شيخنا أبي جعفر فإنه فصل ، وما اخترناه عليه إجماع المسلمين . واللوث أيضا عندنا يراعى في الأعضاء والأطراف ، لأن القسامة لا تكون إلا إذا كان لوث ، وشيخنا ذهب في مبسوطه إلى أن الدعوى إذا كانت دون النفس فلا يراعى فيها أن يكون معه لوث وهذا قول بعض المخالفين ، ذكره في هذا الكتاب لأن معظمه فروعهم ، والقسامة عند الفقهاء كثرة اليمين ، وسمّيت قسامة لتكثير اليمين فيها . وقال أهل اللغة : القسامة عبارة عن أسماء الحالفين من أولياء المقتول ، فعبر بالمصدر عنهم ، وأقيم المصدر مقامهم ، يقال : أقسمت أقسم أقساما ، وذلك من القسم الذي هو اليمين . . وقد قلنا أن القسامة انما تكون مع اللوث الذي هو قوة الظن ، وهو التهمة الظاهرة ، ولا تكون القسامة مع ارتفاعها ، فإن لم يكن لوث ولا تهمة ظاهرة ، فان المدعي عليه لا يلزمه سوى يمين واحدة ، بأنه ما قتل المقتول ، ولا تجب اليمين هاهنا على المدعي ، مثل سائر الدعاوي فليلحظ ذلك . . ومتى لم يكن لأولياء المقتول من يشهد لهم من غيرهم ، ولا لهم قسامة من أنفسهم ، وكان هناك لوث ، كان على المدعى عليه أن يجيء بخمسين يحلفون أنه برئ مما ادعى عليه ، فإن لم يكن له من يحلف عنه ، كررت عليه الأيمان خمسين يمينا ، وقد برئت عهدته ، فان امتنع من اليمين والزم القتل وأخذ به على ما يوجبه الحكم فيه . وفي اللمعتين 2 / 409 : وأما القسامة فتثبت مع اللوث وعدمه يحلف المنكر يمينا واحدة على نفي الفعل ، فان نكل عن اليمين حلف المدعي يمينا واحدة بناء على عدم القضاء بالنكول ، ويثبت الحق على المنكر بيمين المدعي ، ولو قضينا بالنكول قضي عليه به بمجرده ، واللوث امارة يظن بها صدق المدعي فيما ادعاه من القتل ، كوجود ذي سلاح ملطخ بالدم عند قتيل في دمه ، أما لو لم يوجد القتيل مهرق الدم لم يكن وجود الدم مع ذي السلاح لوثا ، أو وجد القتيل في دار قوم أو قريتهم أو بين قريتين لا يطرقهما غير أهلهما وقربهما إليه سواء ، ولو كان إلى إحديهما أقرب اختصت باللوث . ولو طرق القرية غير أهلها اعتبرت في ثبوت اللوث مع ذلك ثبوت العداوة بينهم وبينه ، وكشهادة العدل الواحد بقتل المدعى عليه به ، لا الصبي ولا الفاسق والكافر وان كان مأمونا في مذهبه ، أما جماعة الناس والفساق فتفيد اللوث مع الظن بصدقهم ، ويفهم منه ان جماعة الصبيان لا يثبت بهم اللوث وهو كذلك ، الا أن يبلغوا حد التواتر . وكذا الكفار والمشهور حينئذ ثبوته بهم ، ويشكل بأن التواتر يثبت القتل ، لأنه أقوى من البينة ، واللوث يكفي فيه الظن وهو قد يحصل بدون تواترهم . . وقدر القسامة خمسون يمينا باللَّه تعالى في العمد إجماعا ، والخطأ على الأشهر ، وقيل خمسة وعشرون لصحيحة عبد اللَّه بن سنان . . والأول أحوط وأنسب بمراعاة النفس ، ولو تعدد المدعى عليه فعلى كل واحد خمسون على الأقوى يحلفها المدعي مع اللوث ان لم يكن له قوم ، فإن كان للمدعي قوم والمراد بهم هنا أقاربه وان لم يكونوا وارثين حلف كل واحد منهم يمينا ان كانوا خمسين . في جامع المدارك 7 / 258 : ثمَّ ان القسامة في العمد خمسون يمينا وفي الخطأ خمسة وعشرون يمينا ، والدليل عليه صحيحة عبد اللَّه بن سنان . . وصحيحة يونس وابن فضال جميعا عن الرضا عليه السلام ( الكافي 7 / 363 رقم 10 - 9 ) وأما تكرر اليمين مع عدم القسامة بالعدد المذكور فهو المشهور ، ولكن بملاحظة الأخبار يشكل إثباته ، وكذا يشكل ما ذكر من إلحاق الخطأ شبه العمد بالخطأ في كفاية خمس وعشرين . وفي تكملة المنهاج 2 / 102 : لو ادعى الولي القتل على واحد فإن أقام البينة على مدعاه فهو - بلا خلاف ولا إشكال لإطلاق أدلة حجية البينة - والا فإن لم يكن هنا لوث طولب المدعى عليه بالحلف ، فان حلف سقطت الدعوى ، وان لم يحلف كان له ردّ الحلف إلى المدعي ، وان كان لوث طولب المدعى عليه بالبينة ، فإن أقامها على عدم القتل فهو ، والا فعلى المدعي الإتيان بقسامة خمسين رجلا ، لإثبات مدعاه - من دون خلاف بين الأصحاب وتدل على ذلك عدة روايات ، منها : صحيحة زرارة . . وصحيحة بريد بن معاوية . . وصحيحة مسعدة بن زياد . . والا فعلى المدعى عليه القسامة كذلك - بلا خلاف بين الأصحاب وتدل عليه عدة روايات . . فان أتى بها سقطت الدعوى ، والا ألزم الدعوى - على ما يظهر من كلمات غير واحد منهم ، فإنهم ذكروا أنه إذا نكل وامتنع عن الحلف الزم الدعوى . وأما كتب العامة فقد جاء في الفقه الإسلامي وأدلته 6 / 393 : المبحث الثاني - إثبات القتل بطريق خاص - القسامة : فيه ثمانية مطالب : معنى القسامة ، ومشروعيتها ، وآراء الفقهاء في شرعيتها ، ومحل القسامة ( الجريمة التي تجوز فيها ) ، ومتى تكون ، وشروطها وكيفيتها ، ومن تجب عليه ، وحكمها أو ما يجب بها . المطلب الأول - معنى القسامة : القسامة لغة : مصدر بمعنى القسم أي اليمين ، وشرعا : هي الإيمان المكررة في دعوى القتل ، وهي خمسون يمينا من خمسين رجلا ، يقسمها عند الحنفية : أهل المحلة التي وجد فيها القتيل ويتخيّرهم ولي الدم ، لنفي تهمة القتل عن المتهم ، فيقول الواحد منهم : باللَّه ما قتلته ولا علمت له قاتلا . فإذا حلفوا غرموا الدية . وعند الجمهور غير الحنفية : يحلفها أولياء القتيل لإثبات تهمة القتل على الجاني بأن يقول كل واحد منهم : باللَّه الذي لا إله إلا هو لقد ضربه فلان فمات ، أو لقد قتله فلان ، فان نكل بعضهم أي ورثة القتيل عن اليمين حلف الباقي جميع الأيمان ، وأخذ حصته من الدية ، وان نكل الكل أو لم يكن هناك لوث ( قرينة على القتل أو العداوة الظاهرة ) ترد اليمين على المدعى عليه ليحلف أولياؤه خمسين يمينا ، فإن لم يكن له أولياء ( عاقلة ) حلف المتهم ( الجاني ) الخمسين وبرئ . وإذا حلف أولياء القتيل وجب عند المالكية القصاص في حالة العمد ، والدية في حالة شبه العمد أو الخطأ ، وتجب الدية فقط في كل الحالات عند الشافعية ، على ما سنبين . فهل القسامة إذا دليل نفي أم دليل إثبات ؟ قال الحنفية : القسامة دليل لنفي التهمة عن المدعى عليهم ، وقال الجمهور : إنها دليل للمدعين لإثبات تهمة القتل على القتيل إذا لم تتوافر وسائل الإثبات الأخرى . المطلب الثاني - مشروعية القسامة وحكمة التشريع وسبب وجوب القسامة : تثبت القسامة بالسنة في أحاديث متعددة ، منها : ما رواه رجل من الأنصار ( ان النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية ) وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة ) وروى الجماعة عن سهل بن أبي حنتمة . ( قصة الأنصار والمقتول عند اليهود ) والحكمة عن تشريع القسامة : هي أنها شرعت لصيانة الدماء وعدم إهدارها ، حتى لا يهدر ( أو يطلّ ) دم في الإسلام ، وكيلا يفلت مجرم من العقاب ، قال علي لعمر فيمن مات من زحام يوم الجمعة أو في الطواف . . لا يطل دم امرئ مسلم ، إن علمت قاتله والا فأعطه ديته من بيت المال . وأما إلزام عصبة أو عاقلة القاتل بالقسامة والدية عند الحنفية ، فبسبب وجود التقصير منهم في الحفاظ على حياة القتيل قبل قتله في الموضع الذي وجد فيه ، ولعدم نصرته أو حمايته من اعتداء الجاني عليه ، كما في قتل الخطأ ، كأنهم شرطة ، وبما أن حفظ المحلة عليهم ونفع ولاية التصرف في المحلة عائد إليهم فهم مسؤولون ، والخراج بالضمان ، على لسان الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم . ويلاحظ ان إيجاب الدية بعد القسامة ليس هو الهدف الأصلي من القسامة وانما الغرض الحقيقي منها هو إظهار جريمة القتل ، وتطبيق القصاص عندما يحس الحالفون بخطورة اليمين ، ويتحرجون من حلف اليمين الكاذبة ، فيقرون بالقتل ، فإذا حلفوا برئوا من القصاص ، وثبتت الدية لئلا يهدر دم القتل ، وعلى هذا فإن القسامة لم تشرع لإيجاب الدية إذا نكلوا عن الأيمان ، وانما شرعت لدفع التهمة بالقتل ، وأما الدية فلوجود القتيل بين أظهرهم . . أقول : مسألة تشريع القسامة انما هي مسألة تعبدية وما ذكر من فلسفة التشريع انما هي استحسانات ظنيّة لا يعوّل عليها ، وربما يقال ذلك من الحكمة في القسامة فتأمل . ثمَّ قال المؤلف : المطلب الثالث - آراء الفقهاء في شرعية القسامة : أقر فقهاء المذاهب الأربعة والشيعة والظاهرية مشروعية القسامة لثبوتها بالسنة النبوية كما بيّنا . وروى القاضي عياض عن جماعة من السلف ( منهم أبو قلابة وسالم بن عبد اللَّه والحكم بن عتيبة وقتادة وسليمان بن يسار وإبراهيم بن علية ومسلم بن خالد ، وعمر بن عبد العزيز في رواية عنه ) ان القسامة غير ثابتة ، لمخالفتها لأصول الشريعة من وجوه : منها : أن اليمين لا يجوز الا على ما علم قطعا أو شوهد حسا . ومنها : ان البينة على المدعي واليمين على من أنكر . ومنها : أن حديث سهل السابق الوارد بها ليس فيه حكم بها ، وانما كانت القسامة من أحكام الجاهلية ، فتلطف بهم النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ليريهم كيفية بطلانها . وأجيب عليهم بأن القسامة ثبتت بحديث خاص ، فلا يترك العمل بها من أجل الدليل العام ، فتكون مخصصة له ، لما فيها من حفظ الدماء ، وزجر المعتدين ، وأما دعوى أن النبي قال ذلك للتلطف بهم في بيان بطلانها ، فمردود لثبوتها في أحاديث ووقائع أخرى منها حديث أبي سلمة الذي أقر به النبي القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية . ثمَّ يذكر المؤلف : المطلب الرابع في محل القسامة ومتى تكون ، والخامس في شروط القسامة والسادس في كيفية القسامة صيغتها وحالفها ، والسابع فيمن تجب عليه القسامة ، والثامن ما يجب بالقسامة أو الأثر المترتب عليها ، فراجع . وفي كتاب الفقه على المذاهب الأربعة 5 / 328 قالوا : وسبب القسامة التي توجب القصاص في العمد والدية في الخطأ قتل الحر المسلم ، سواء كان بالغا أو صبيا ، قتل بجرح أو ضرب أو سم ، بلوث - بفتح اللام وسكون الواو - الأمر الذي ينشأ عنه غلبة الظن ، بأنه قتله ، وذلك كوجود شاهدين عدلين على قول حر مسلم بالغ : قتلني أو جرحني أو ضربني فلان ، وذكر اسم القاتل حرا أو عبدا ، بالغا أو صبيا ، ذكرا أو أنثى ، أو قال : دمي عنده سواء كان قول المسلم قتلني عمدا أو خطأ ، ففي العمد يستحقون بالقسامة القصاص ، وفي الخطأ الدية . ومن الفقه الظاهري جاء في كتاب المحلَّى لابن حازم الأندلسي 11 / 64 إلى 95 بحث مفصل حول القسامة بأنه اختلف الناس على أقوال فيبدأ بالصحابة ثمَّ التابعين ثمَّ الفقهاء ثمَّ الروايات الواردة في قصة الأنصار ويهود خيبر ويذكر حجج القوم ويفندها على أن رواياتها مرسلة إلا قليل منها ، فراجع . ومن الفقه الزيدي جاء في سبل السلام شرح بلوغ المرام لمحمد بن إسماعيل الصنعاني 3 / 515 ( باب دعوى الدم والقسامة ) القسامة بفتح القاف وتخفيف المهملة مصدر أقسم قسما وقسامة ، وهي الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم أو على المدعى عليهم الدم . وخص القسم على الدم بالقسامة ، قال إمام الحرمين : القسامة عند أهل اللغة اسم للقوم الذين يقسمون وعند الفقهاء اسم للأيمان . وفي القاموس : القسامة الجماعة يقسمون على الشيء ويأخذونه أو يشهدون . وفي الضياء : القسامة الأيمان تقسم على خمسين رجلا من أهل البلد أو القرية التي يوجد فيها القتيل لا يعلم قاتله ولا يدعي أولياؤه قتله على أحد بعينه . عن سهل بن أبي حنتمة - إلى آخر خبر محيصة وعبد اللَّه بن سهل وحويصة - رواه البخاري في كتاب الديات باب 12 القسامة حديث رقم ( 6898 ) فتح 12 / 229 - 230 وكتاب الأحكام باب 38 كتاب الحاكم إلى عماله . وأبو داود في كتاب الديات باب القتل بالقسامة حديث رقم ( 4520 - 4521 ) 4 / 177 - 178 والترمذي في كتاب الديات باب ما جاء في القسامة حديث رقم ( 1422 ) 4 / 30 31 والنسائي 5 / 8 12 في كتاب القسامة باب تبرئة أهل الدم في القسامة . والموطأ في كتاب القسامة باب تبرئة أهل الدم في القسامة حديث رقم ( 1 ) 2 / 877 - 878 - فراجع ، ثمَّ يشرح الرواية ويقول : وذهبت الهادوية والحنفية وآخرون إلى أنه يحلف المدعى عليه ولا يمين على المدعين فيحلف خمسون رجلا من أهل القرية ما قتلناه ولا علمنا قاتله ، والى هذا جنح البخاري وذلك لأن الروايات اختلفت في ذلك في قصة الأنصار ويهود خيبر فيرد المختلف إلى المتفق عليه من أن اليمين على المدعى عليه فان حلفوا فهل تلزمهم الدية أم لا . ذهبت الهادوية إلى أنها تلزمهم الدية بعد الأيمان وذهب آخرون إلى أنهم إذا حلفوا خمسين يمينا برئوا ولا دية عليهم ، وعليه تدل قصة أبي طالب الآتية ، واستدل الجماعة المذكورة ومن معهم في إيجاب الدية بأحاديث لا تقوم بها حجة لعدم صحة رفعها عند أئمة هذا الشأن . . ثمَّ يذكر رواية أخرى عن رجل من الأنصار أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى بها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود . رواه مسلم ثمَّ يشرح الرواية ثمَّ يقول : وأما حديث مسلم . فهو إخبار عن القصة التي في حديث سهل بن أبي حنتمة وقد عرفت انه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم لم يقض بها فيه كما قررناه وقد عرفت من حديث أبي طالب انها كانت في الجاهلية على أن يؤدي الدية القاتل لا العاقلة كما قال أبو طالب إما أن تؤدي مائة من الإبل فإنه ظاهر أنها من ماله لا من عاقلته أو يحلف خمسون من قومك أو تقتل ، وهنا في قصة خيبر لم يقع شيء من ذلك فان المدعى عليهم لم يحلفوا ولم يسلموا دية ولم يطلب منهم الحلف . وليس هذا قدحا في رواية الراوي من الصحابة بل في استنباطه ، لأنه قد أفاد حديثه أنه استنبط قضاء رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم بالقسامة من قصة أهل خيبر وليس في تلك القصة قضاء ، وعدم صحة الاستنباط جائز على الصحابي وغيره اتفاقا ، وانما روايته للحديث بلفظه أو بمعناه هي التي يتعين قبولها . وأما قول أبي الزناد « قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف اثنان » فإنه قال في فتح الباري : انما نقله أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في رواية عبد الرحمن بن أبي زناد عن أبيه والا فأبى الزناد لا يثبت انه رأى عشرة من الصحابة فضلا عن ألف . انتهى . قلت : لا يخفى أنه تقرير لما رواه أبو الزناد لثبوت ما رواه عن خارجة بن زيد الفقيه وانما دلس أبو الزناد بقوله « قتلنا » وكأنه يريد قتل معشر المسلمين وإن لم يحضرهم ، ثمَّ لا يخفى أن غايته بعد ثبوته عن خارجة فعل جماعة من الصحابة ، وليس بإجماع حتى يكون حجة ، ولا شك في ثبوت فعل عمر بالقسامة ، وان اختلف عنه في القتل بها ، إنما نزاعنا في ثبوت حكمه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم بها ، فإنه لم يثبت . انتهى كلامه . وإذا أردت روايات القوم في باب القسامة فراجع كتاب السنن الكبرى للبيهقي / 117 - 130 ولا سيما خبر حويصة ومحيصة بطرق مختلفة وألفاظ متفاوتة . فلا نطيل عليك طلبا للاختصار ، ومقصودنا من الهوامش انما هو الإلمام إجمالا على عبائر الفقهاء من العامة والخاصة ومباني القوم واختلافهم ، وتمهيدا للقارئ الكريم أن يستنبط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، فبنظري مثل هذا الأسلوب في طرح المسائل يساعد لمن له قوة وأرضية الاجتهاد على الاستنباط ، ومن اللَّه التوفيق والسداد . وراجع كتاب سنن أبي داود 4 / 177 باب القتل بالقسامة وباب في ترك القود بالقسامة . وكتاب السنن الكبرى للنسائي 4 / 205 كتاب القسامة - ذكر القسامة التي كانت في الجاهلية ، وتبرئة أهل الدم في القسامة وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر سهل وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر علقمة بن وائل وغير ذلك من الأبواب . وفتح الباري بشرح صحيح البخاري 12 / 193 - 204 باب القسامة ، وسنن ابن ماجة 2 / 892 باب 28 - القسامة . وكتاب حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر الهيثمي 9 / 47 كتاب دعوى الدم والقسامة . وكتاب فقه الإمام سعيد بن المسيب 4 / 7 كتاب الجنايات . وكتاب فقه السنة للسيد سابق 2 / 583 جاء فيه : القسامة : تستعمل بمعنى الحسن والجمال . والمقصود بها هنا : الأيمان مأخوذة من اقسم يقسم أقساما وقسامة ، فهو مصدر مشتق من القسم ، كاشتقاق الجماعة من الجمع . وصورتها : أن يوجد قتيل لا يعرف قاتله ، فتجري القسامة على الجماعة التي يمكن أن يكون القاتل محصورا فيهم ، بشرط أن يكون عليهم لوث - العلامة - ظاهر ، بأن يوجد القتيل بين قوم من الأعداء أو يخالطهم غيرهم ، أو اجتمع جماعة في بيت أو صحراء ، وتفرقوا عن قتيل أو وجد في ناحية وهناك رجل مختضب بدمه . فإذا كان القتيل في بلدة ، أو في طريق من طرقها أو قريبا منها أجريت القسامة على أهل البلدة . وان وجدت جثته بين بلدين أجريت القسامة على أقربها مسافة من مكان جثته . وكيفية القسامة هي أن يختار ولي المقتول خمسين رجلا من هذه البلدة ، ليحلفوا باللَّه أنه ما قتلوه ، ولا علموا له قاتلا فان حلفوا سقطت عنهم الدية ، وان أبوا وجبت ديته على أهل البلدة جميعا . وان التبس الأمر كانت ديته من بيت المال . وكانت القسامة معمولا بها في الجاهلية ، فأقرها الإسلام على ما كانت عليه ، وحكمة إقرار الإسلام لها ، أنها مظهر من مظاهر حماية الأنفس ، وحتى لا يذهب دم القتيل هدرا - ثمَّ يذكر رواية أبي طالب عليه السلام - ثمَّ يقول : اختلف العلماء في وجوب الحكم بالقسامة . فقال جمهور الفقهاء بوجوب الحكم بها ، وقالت طائفة من العلماء : لا يجوز الحكم بها . قال ابن رشد في بداية المجتهد : وأما وجوب الحكم بها على الجملة فقال به جمهور فقهاء الأمصار . وقالت طائفة من العلماء : سالم بن عبد اللَّه وأبو قلابة وعمر بن عبد العزيز وابن علية : لا يجوز الحكم بها . وعمدة الجمهور ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من حديث حويصة ومحيصة ، وهو حديث متفق على صحته من أهل الحديث ، الا أنهم مختلفون في ألفاظه . وعمدة الفريق الثاني لعدم جواز الحكم بها أن القسامة مخالفة لأصول الشرع المجمع على صحتها ، يذكر المؤلف ذلك مع مناقشتها فراجع . وانما ذكرنا في آخر الأمر بعض كلماته ، لما فيها من النكات الجديدة وان كانت قابلة للنقاش ، كما يعلم ذلك مما ذكرناه من أقوال العلماء والفقهاء من الشيعة والسنة ، فلا نطيل البحث طلبا للاختصار .