أبي طالب المكي

91

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

والحنين إليه وخلو القلب من الخلق ، وسبق النظر إلى الخالق في كل شيء ، وسرعة الرجوع إليه بكل شيء ، ووجد الأنس به عند كل شيء ، وكثرة الذكر له والتذكر بكل شيء . ومن علامة المحبة طول التهجد . وروي عن الله سبحانه : كذب من ادّعى محبتي إذا جنه الليل نام عني ، إلَّا أنّ بعضهم جعل سهر الليل في مقام بعينه . ذكر له هذا الخبر فقال : ذاك إذا أقامه مقام الشوق فأما إذا أنزل عليه السكينة وأواه بالأنس في القرب ، استوى نومه وسهره . ثم قال : رأيت جماعة من المحبين ، نومهم بالليل أكثر من سهرهم . وإمام المحبين وسيد المحبوبين رسوله الله صلى الله عليه وسلم كان ينام مثل ما يقوم ، وقد يكون نومه أكثر من قيامه ولم يكن تأتي عليه ليلة حتى ينام فيها . ومن المحبة الخروج إلى الحبيب من المال بالزهد في الدنيا ، والخروج إليه من النفس بإيثار الحق على جميع الأهواء . وقال الجنيد : علامة المحبة دوام النشاط والدؤوب بشهوة يفتر بدنه ولا يفتر قلبه . وقد قال بعض السلف : العمل عن المحبة لا يداخله الفتور . وقال بعض العلماء : والله ما أستسقي محب لله من طاعته ولو حل بعظيم الوسائل ، ومن المحبة التناصح بالحق والتواصي به والصبر على ذلك . كما وصف تعالى الرابحين من الصالحين . فقال تعالى : * ( إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالْحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) * [ العصر : 2 - 3 ] . لأن المحبين ليسوا كمن وصفه في قوله تعالى : * ( يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ولا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ . إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا ويُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ ) * [ محمد : 36 - 37 ] ، يعني أن يسألكم محبوبكم من الأموال ويستقصي عليكم يخرج أحقادكم عليه . وروينا في مقرأ ابن عباس : ويخرج أضغانكم ، يعني الأموال ، فلو لم يدخل على هؤلاء الضعفاء إلا الشرك في محبة الأموال والشغل بها عن ذكر ذي الجلال ، فخسروا ما ربح المخلصون من الأحباب ، وفاتهم ما أدرك الصالحون من طوبى وحسن مآب . فالله تعالى يسأل أحبابه أموالهم وأنفسهم حتى لا يبقى لهم محبوب سواه ولئلا يعبدوا إلَّا إيّاه محبة منه وكشفا لمحبتهم واختبارا لأخبارهم في صدقهم وصبرهم ، ولأنه جواد ملك لا يسأل إلا كلية الشيء وجملته ، وهو غيور لا يحب أن يشركه سواه في محبته ، فلا يصبر عليه إلَّا من عرفه ولا يحبه إلا من صبر عليه ، ولا يرضى بحكمه فيه إلَّا من أيقن به . إلَّا أنه لا يسأل الجملة كلها إلا لمن أحبه المحبة الخاصة ، وذلك كله من نظام حكمته . وقيل لبعض المحبوبين وكان قد بذل المجهود في بذل ماله ونفسه ، حتى لم يبق عليه منها بقية : ما كان سبب حالك هذه من المحبة ؟ فقال : كلمة سمعتها من خلق لخلق عملت بي هذا البلاء . قيل : وما هي ؟ قال : سمعت محبّا قد خلا بمحبوبه وهو يقول : أنا والله أحبك