أبي طالب المكي
81
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
فهو يبثها في الناس ويعملها ، ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق . وفي لفظ حديث آخر : ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار فيقول الرجل : لو آتاني الله ما آتى هذا فعلت كما يفعل ، فندب إلى الحسد على أعمال البرّ وفضل الحاسد لما ندب الله إليه من المنافسة في أعمال الخير ، فمن حسد على هذه المعاني من أعمال الخير ، كان ذلك مزيدا له في مقام الرضا للغبطة به والطلب له . فأما من قلبت عليه هذه المعاني فجهل عواقب الأمور ، وغلبت عليه الغفلة واستحوذت عليه الجهالة ، فجعل ينظر إلى من فوقه في الدنيا فيغبطه على حاله ، أو يتمنى مكانه أو يدخله نظره إليه في استصغار نعمة الله عليه ويزدري يسير ما قسمه الله له . ثم ينظر إلى من دونه في الدين من عموم المسلمين فيرضى بنقصان مقامه ويجعل ذلك معذرة له وتأسّيا به . ويثبطه عن المسارعة إلى القربات ولعله أن يداخله العجب والكبر حتى يتفضّل عليه بحاله ، أو ينظر إلى نفسه بأعماله ، لتقصير غيره عن مثل فعاله . فهذا إذا يكتب جزوعا عن الصبر كفور النعمة بإضاعة الشكر ، لأنه ليس بصابر ولا شاكر ، وهذا وصف من أوصاف المنافقين ، وهو مقام الهالكين ، إذ الصبر والشكر من صفات المؤمنين . وقد وصف هذا البلد بمثل هذا المعنى : فالله المستعان . وقد حدثونا عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى أنه قال : طفت الشرق والغرب فما رأيت بلدا شرّا من بغداد ، قيل : وكيف ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : هو بلد تزدري فيه النعمة وتستصغر فيه المعصية . وحدثونا عنه أنه قيل له حين قدم خراسان : كيف رأيت الناس ببغداد ؟ قال : ما رأيت بها إلا شرطيا غضبان أو تاجرا لهفان أو قارئا حيران . وقيل إنّه كان يتصدق كل يوم بدينار لأجل مقامه ببغداد ، إلى أن يخرج إلى مكة ، فبلغني أنه كان يتصدّق بستة عشر دينارا . وقد وصفها الشافعي أنها هي الدنيا . فروينا عنه أنّه قال : الدنيا كلها بادية وبغداد حاضرتها . وروينا عن يونس بن عبد الأعلى قال : قال لي الشافعي : يا يونس ، رأيت بغداد ؟ قلت : لا قال : ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس . وقد ذم العراق جماعة منهم عمر بن عبد العزيز وكعب الأحبار . فروينا عن عمر أنّه قال لمولى له : أين تسكن ؟ قال : العراق ، فقال له : ما تصنع هناك بلغني أنّه ما من أحد سكن العراق إلَّا قيض له قرين من البلاء . وذكر كعب الأحبار العراق يوما فقال : فيه تسعة أعشار الشر ، وفيه الداء العضال ، ومن سكن بلدا كثير المنكر ظاهر المعاصي ، فكان منزعجا فيه غير مطمئن إليه يرغب إلى الله عزّ وجلّ في إخراجه منه لحسن اختياره له ، وكان مضطرّا في المقام فيه لعيلة ثقيلة أو قلَّة ذات يد حقيقة ، لا يستطيع حيلة في الخروج ولا يعرف طريقا ، وهو على يقين من سلامة دينه فيه ،