أبي طالب المكي

78

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

وفي حديث آخر : من أحب قوما ووالاهم في الدنيا جاء معهم يوم القيامة . وفي معنى قوله : أوثق عرى الإيمان الحبّ في الله والبغض فيه ، وجه خفيّ هو أن يحبك المؤمنون ويبغضك المنافقون . فيكون ذلك علامة وثيقة عرى إيمانك لأنّ قوله الحبّ في الله ، يصلح أنّ يبغضك المنافقون كما تبغضهم أنت ، فكأنك تتحبب إلى المؤمنين حتى يحبوك وتتبغض إلى المنافقين حتى يبغضوك بإظهار التباعد عنه وبترك الممالاة له وبنصحك إياهم . فيدل ذلك على قوة إيمانك ، لم تأخذك في الله لومة لائم منهم . كما وصف تعالى بذلك من يحبهم ويحبونه ، ويكون ذلك أبعد ذلك من المداهنة والنفاق ، وأقرب إلى الورع والإخلاص فإذا فعلت ذلك بهم أبغضوك أو مقتوك . فهذا على معنى ما قال الله سبحانه : * ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) * [ الفتح : 29 ] ، وقال : * ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ) * [ المائدة : 54 ] ، وكما أمر نبيه عليه السلام في قوله تعالى : * ( قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ من الْكُفَّارِ ولْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ) * [ التوبة : 123 ] وروي عن عيسى عليه السلام أنّ الله عزّ وجلّ قال : أحبّ عبادي إليّ الذين يذكروني بالأسحار ويبغضون إلى الفجار ، معناه أن يظهر لهم البغض وينابذهم العداوة حتى يبغضوه ، فإذا أبغضوه أبغضهم الله ، فيكون بغضهم إليه بهذا المعنى أي كان سبب عقوبة لهم بالبغض والمقت . وقد كان الثوري يقول : إذا رأيت الرجل محبّبا إلى جيرانه فاعلم أنه منافق . وقال كعب الأحبار لأبي إدريس الخولاني وكان من علماء الشام : كيف أنت في قومك ؟ قال يحبوني ويكرموني قال كعب : ما صدقتني التوراة إذن قال : وما في التوراة ؟ قال أجد في التوراة أنّ الرجل العالم لا يحبه جيرانه . وقال بعض المريدين : قلت لبعض أهل المعرفة : أني كثير الغفلة عن الله قليل المسارعة إلى مرضاته ، أوصني بشيء أعمله أدرك به ما يفوتني من هذا . قال : يا أخي ، إن استطعت أن تتحبب إلى أولياء الله وتتقرب من قلوبهم فافعل ، لعلهم يحبونك فإنّ الله عزّ وجلّ ينظر إلى قلوب أوليائه في كل يوم سبعين نظرة ، فلعله أن ينظر إليك في قلوبهم لمحبتهم لك فيجيرك جيرة الدنيا والآخرة ، إذا لم تكن ممن ينظر إليه كفاحا . وكذلك يقال : إنّ الله تعالى عزّ وجلّ ينظر إلى قلوب الصدّيقين والشهداء مواجهة ، ثم ينظر إلى قلوب قوم في قلوب قوم وإلى قلوب قوم من قلوب آخرين . فهكذا عندي من عزائم الدين وسبيل الورعين أن تتبعض إلى أعدائه وتتمقت إليهم من المبتدعين والظالمين ، ليبغضوك ويمقتوك ، فيكون لك من القربة كحبّ أوليائه لك وحبك لهم . فهذا من أسباب ولاية الله . وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : اللَّهم ، لا تجعل لفاجر عندي يدا فيحبه قلبي . ووصل