أبي طالب المكي

60

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

أحكامه عمّا يكرهون ولا ليغيّر لهم سابق مشيئته إلى ما يعقلون ، ولا ليحوّل عنهم سنّته التي خلت في عباده من الابتلاء والاختيار . هو أجلّ في قلوبهم من ذلك وهم أعقل عنه وأعرف به من هذا . لو اعتقد عارف بالله أحد هذه المعاني مع الله في توكَّله كان كبيرة توجب عليه التوبة وكان توكَّله معصية ، وإنما أخذوا نفوسهم بالصبر على أحكامه كيف جرت ، فطالبوا قلوبهم بالرضا عنه كيف جرت . وقال رجل لمالك بن أنس : يا أبا عبد الله ، إني تعلقت بأستار الكعبة فتبت من كلّ ذنب وحلفت أن لا أعصي الله فيما أستقبل ، فقال له : ويحك ، ومن أعظم معصية منك تتألى على الله أن لا ينفد حكمه فيك . وأنشدنا بعض العلماء لبعض الحكماء : لما رأيت القضا جاريا * لا شك فيه ولا مرية توكلت حقّا على خالقي * وألقيت نفسي مع الجرية » وإنما كرهوا ما كره الله طاعة لله ، فذلك كراهة ما كره حبّا لله واكتراما لحكمه عليهم ، لا كراهة ما قضى إذ ليس لهم أن يقولوا : فلم قضيت ما تكره ولم كرهت ما قضيت ؟ هو أجلّ وأعظم ، وفي نفوسهم أخوف وأهيب أن يواجهوه بهذا الخطاب في قول أو عقد ، بل عرفوا حكمته فيه وصبروا على حكمه به . وإنّما توكَّل العلماء به عليه لأجل أنه يحبّ المتوكَّلين ولأجل أنه يستحقّ التفويض إليه ويستوجب التسليم له ، إذ كان هو الوكيل الأوّل والكفيل الآجلّ حين سمعوه يقول : والله على شيء وكيل ، ثم استوى على العرش يدبّر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ، وحين فقهوا قوله : ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، ولما عقلوا من خطابه : أليس الله بأحكم الحاكمين أو لأجل أنه أمر بالتوكَّل ، وندب إليه وحقق الإيمان به ، إذ سمعوه تعالى يقول : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ، أمن يملك السمع والأبصار ومن يدبر الأمر ؟ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ، وفي السماء رزقكم ، وما توعدون ، ثم أقسم عليه بنفسه أنه حقّ فتوكَّلوا عليه استحياء ، منه ولوجود اليقين الذي رفع خفايا الشكّ وحذّر من التهمة له وتوثقة بالاعتقاد عليه ، فمنهم من توكَّل عليه لأجل هذه المعاني كلها ، ومنهم من توكل عليه لمشاهدة بعضها فكل عبد توكَّله عن الوصف الذي به عرفه ، وكلّ عرفه عن العذر المتجلي الذي عرفه ، فكلّ يطيعه على قدر قربه منه ، وكلّ يقرب على قدر علمه بقربة منه بقدر ما يعرف من كينونية في مكنون كأنه ، وكلّ بعلمه على قدر عنايته به ومن ورائه سرّ القدر . فمشاهدة كلّ عبد من مقامه وحاله عن وجد شهادته وجزاؤه نحو معاملته . والله يضاعف لمن يشاء هم درجات عند الله ، والله بصير بما يعملون ، لهم دار السلام عند ربهم وهو