أبي طالب المكي

58

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

هذه الخمس التي المزيد منها هو جملة الدنيا ، هو المزيد من الآخرة لا ضد الدنيا كما قال تعالى : * ( وما عِنْدَ الله خَيْرٌ وأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) * [ الشورى : 36 ] . فصبروا على مصائبهم توكَّلا على ربّهم ، ثم توكَّلوا رهم لشهادة وكيلهم ولحسن ظنّهم به ، ثم صبروا على توكَّلهم لتمام حالهم ، ويعلو بذلك فيه مقامهم : فالصبر أوّل مقام في التوكَّل وهو عند مشاهدة القضاء بلاء ، والشكر أعلى من ذلك هو شهود البلاء نعمة . والرضا فوق ذلك كلَّه وهو أعلى التوكَّل وهو مقام المحبين من المتوكَّلين . قال الله عزّ وجلّ في وصف عموم المتوكلين : * ( وما عِنْدَ الله خَيْرٌ وأَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) * [ القصص : 60 ] . فمن اتّقى الله وعقل خطابه توكَّل عليه فيما أصابه ، فلم ييأس على ما فات ولم يفرح من الدنيا بما هو آت وهذا أوسط الزهد وأوّل التوكَّل . وقال تعالى في وصف الخصوص : * ( وما عِنْدَ الله خَيْرٌ وأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) * [ الشورى : 36 ] . فأهل العقل عن الله والمتقون له هم المتوكلون عليه ، وقد زهدهم فيما يفنى برغبته إياهم فيما يبقى حين فهموا الخطاب ، إذ هم أولو الألباب وذلك أنه أضاف ما عنده إليه ووصفه بالبقاء ليرغبوا فيه ، لأنهم قد توكَّلوا عليه وأضاف ما عندهم إليهم ليزهدوا فيه ، ووصفه بالفناء لأنهم قد زهدوا في نفوسهم ، إذ قد باعوها منه . فكيف يتملكون ما عندها ؟ والعبد وماله لسيده وهو تعالى قد اشتراها منهم لرغبتهم فيه ، وعوّضهم منها ما يبقى لهم فقال تعالى : * ( ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وما عِنْدَ الله باقٍ ) * [ النحل : 96 ] . ذكر بيان آخر من فضيلة المتوكَّل اعلم يقينا أن الله تعالى لو جعل الخلائق كلَّهم من أهل السماوات والأرضين على علم أعلمهم به ، وعقل أعقلهم عنه وحكمة أحكمهم عنده ، ثم زاد كلّ واحد من الخلائق مثل عدد جميعهم وأضعافه علما وحكمة وعقلا ، ثم كشف لهم العواقب وأطلعهم على السرائر وأعلمهم بواطن النّعم ، وعرّفهم دقائق العقوبات وأوقفهم على خفايا اللطف في الدنيا والآخرة ، ثم قال لهم : دبّروا الملك بما أعطيتكم من العلوم والعقول عن مشاهدتكم عواقب الأمور ، ثم أعانهم على ذلك وقواهم له ، لما زاد تدبيرهم على ما يراه من تدبير الله تعالى من الخير والشر والنفع والضرّ جناح بعوضة ، ولا نقص جناح بعوضة ولا أوجبت العقول المكاشفات ولا العلوم المشاهدات غير هذا التدبير ، ولا قضت بغير هذا التقدير الذي يعاينه ويقلب فيه . ولكن لا يبصرون لأنه أجراه على ترتيب العقول وعلى معاني العرف والمعتاد من الأمور ، بالأسباب المعروفة والأواسط المشهورة على معيار ما طبع العقول فيه وجبل العقول عليه ، ثم غيّب مع ذلك العواقب وحجب السرائر وأخفى