أبي طالب المكي

45

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

غيرك ، وعن كسبه لك ، وما أظهرته القدرة عن غير عرف معتاد ولا واسطة مرت به . هذا كله عند الموقنين سواء ، لا يترجح بعضه على بعض لرجحان إيمانهم وقوّة يقينهم ونفاذ مشاهدهم ، إذ كله حكمة بالغة وقدرة نافذة عن حكيم واحد وقادر واحد . وممّا يدلك على استواء ما ظهر بيد الأواسط وما أظهرته القدرة عند العلماء أنّ كلّ من جمع كرامات الأولياء واجبات الصدّيقين ذكر فيها ما ظهر لهم عن القدرة ، وما ظهر لهم على أيدي الخلق من الإنفاق عند وقت الفاقات عن غير مسألة ولا استشراف نفس . فسووا بينهما في الكرامات وجعلوهما واحد من الإجابات ، وحسبوا كل ذلك من الآيات . على أنّ العارفين يشهدون ما يوصل العبيد إليهم من أقسام رزقهم ، إنها ودائع لهم عندهم وإنه حق لهم بأيديهم يؤدونه إليهم قليلا قليلا ، ويوفونهم إياه شيئا فشيئا إلَّا أنهم لا يسألونهم إياه ولا يطالبونهم به ، وإن كان لهم عندهم حسن أدب فيهم وحسن اقتضاء لأنّ من حسن الاقتضاء ترك الطلب ، ولقوّة يقينهم برازقهم أنّه يوفيهم نصيبهم غير منقوص ، فقد سكنوا إلى قديم وعده كما نظروا إلى بسط يده . وكذلك مشاهدة العالمين الموصلين إليهم قسمهم الدافعين إليهم حقوقهم ، يشهدون أنهم قد خرجوا إليهم من حقهم وأدوا إليهم ودائعهم ، فيستريحون إلى إخراج ذلك ، ويفرحون بأدائه إلى أربابه ويشكرون الله على حسن توفيقه وإعانتهم على سقوط ذلك عنهم ، كما يفرح من عليه الدين الثقيل إذا أداه فسقط عنه حكمه وقضاؤه . وهذا مقام للموصلين في المعرفة وحال لهم من اليقين حسنة ، وهو مشاهدة عالية للآخذين من المتوكلين . ذكر تشبيه التوكل بالزهد اعلم أنّ التوكل لا ينقص من الرزق شيئا ، ولكنه يزيد في الفقر ويزيد في الجوع والفاقة ، فيكون هذا رزق المتوكَّل ورزق الزاهد من الآخرة . على هذا الوصف الخصوص من حرمان نصيب الدنيا وحمايته عن التكاثر منها ، والتوسع فيها فيكون التوكل والزهد سبب ذلك . فيكون ما صرفه عنه من الدنيا زيادة له في الآخرة من الدرجات العلى . وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : نقصان الدنيا زيادة الآخرة ، وزيادة الدنيا نقصان الآخرة ، ومن أعطى من الدنيا شيئا نقص ذلك من منزلته في الآخرة . وإن كان على الله كريما . وقيل إنّ الدنيا والآخرة مثل ضرتين ، من أرضى إحداهما أسخط الأخرى . وقال رجل لبعض العلماء : كنت في محلة ليس فيها بقال غيري ، ففتح إلى جنبي بقال آخر فأخاف أن ينقص ذلك من رزقي شيئا ، فقال : ليس ينقص من رزقك شيئا ولكن يزيد في بطالتك ، تقعد كثيرا لا تبيع شيئا . وقد غلط في هذا الطريق قوم ادّعوا التوكل والزهد واتسعوا في المآكل والملابس ،