أبي طالب المكي

41

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

وفي الخبر أيضا يقول الله تعالى لملائكته : اكتبوا لعبدي صالح ما كان يعمل فإنه في وثاق ، إن أطلقته أبدلته لحما خيرا من لحمه ، ودما خيرا من دمه ، وإن توفّيته توفّيته إلى رحمتي . فإبدال صفة لحسن اختيار الله له ، خير له من الدنيا والآخرة ومن شهوته . والأصل في التوكل وتركه ، أنّ المتوكل على الله قد علم في توكله أنّ للعلَّة وقتا إذا انتهت إليه برأ العليل بإذن الله لا محالة ، ولكن الله عزّ وجلّ قد يحكم أنه إن تداوى شفاه في عشرة أيام ، وإن لم يتداو أبرأه في عشرين يوما ، ليترخص العليل بما أباحه الله له ، فيطمع في تعجيل البرء في عشرة أيام ، ليكون أسرع لشفائه ، وأقرب إلى عاقبته ، على أنه معتقد أنّ الدواء لا يشفي وإنّ التداوي لا ينفع لعينه ، لأنّ الله هو الشافي وهو النافع فالشفاء والنفع فعله لعبده وجعله في الدواء من لطائف حكمته ، لا يجعله سواه ولا يفعله إلا إياه ، إذ كانت العقاقير مطبوعة مجبولة على خلقها ، فجاعل الأسباب فيها هو جاعلها ، لأن الجعل فيها والخاصية منها ليس من عمل المتطبب ، وإن كان يعمل بها ويجمع بينها وبين العليل لأنّه ظهر على يديه سببا لرزقه . فالله خالق جميع ذلك وفاعله ، وكذلك قال الله تعالى : * ( والله خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ ) * [ الصافات : 96 ] . وكذلك أيضا عند العارفين أنّ الخبز لا يشبع وأنّ الماء لا يروي كما أنّ المال لا يغني ، والعدم لا يفقر ، لأن الله هو المطعم المسقي وهو المشبع والمروي ، كما هو المغني المفقر بما شاء ، كيف شاء وهو جاعل الشبع والري في المطعوم والمشروب ، وفي النفس بالغنى والفقر لحكمته ورحمته ، كما أنّ الله تعالى هو المجيع المظمئ ، فيدخل الطعام والشراب على الجوع والعطش الذين جعلهما فيذهبهما بما أدخل عليهما ، كما يدخل الليل على النهار ، ويدخل النهار على الليل ، فيغلب سلطان كل واحد على الآخر فيذهبه ، فسواء هذا عند الموحدين من وصف الليل والنهار ، ومن العلل والأدوية يتسلط الشيء على ضده فيزيله بقلبه ، فهذه بإذن الله . والشرك في هذه الأشياء في العموم أخفى من دبيب النمل على الصفا ، والموقنون الصحيحو التوحيد من جميع ذلك برآء ، وعلى هذه المعاني أحد الوجهين في قوله تعالى : * ( الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ) * [ طه : 50 ] ، أي أعطى كل لون وجنس خلقته وطبعه أي صورة الشيء ، ووصفه للضر والنفع ، فإن تعجل العليل البرء بالتداوي فبرأ ، كان ذلك بقضاء الله وقدره ، على وصف السرعة من المعافاة ، فإن كان ناويا في تداويه واستعجاله شفاءه الطاعة لمولاه ، والقيام بين يديه للخدمة ، كان مثابا على ذلك فاضلا فيه غير منقوص في مقام توكله ، وإن أراد بذلك صحة جسمه لنفسه والنعيم بالعوافي كان ذلك بابا من أبواب الدنيا ، ودخولا فيما أبيح له منها ، وهو يخرجه من فضيلة التوكَّل ، وحقيقته بمقدار ما نقصه من الزهد في