أبي طالب المكي
4
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
التوكَّل المبارك فما لي منه إلا مشام الريح . وقال لقمان في وصيته لابنه : ومن الإيمان بالله عزّ وجلّ التوكَّل على الله ، فإن التوكل على الله يحبّب العبد ، وإن التفويض إلى الله من هدي الله ، وبهدي الله يوافق العبد رضوان الله ، وبموافقة رضوان الله يستوجب العبد كرامة الله . وقال لقمان أيضا : ومن يتوكَّل على الله ، ويسلَّم لقضاء الله ، ويفوّض إلى الله ، ويرضى بقدر الله ، فقد أقام الدين وفرغ يديه ورجليه لكسب الخير وأقام الأخلاق الصالحة التي تصلح للعبد أمره . وقال بعض علماء الأبدال ، وهو أبو محمد سهل : العلم كلَّه باب من التعبّد ، والتعبّد كلَّه باب من الورع ، والورع كلَّه باب من الزهد ، والزهد كلَّه باب من التوكَّل . قال : فليس للتوكَّل حدّ ولا غاية تنتهي إليه . وقال أيضا في قول الله عزّ وجلّ : * ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) * [ هود : 7 ] . قال أصدق توكلا . وقال : التقوى واليقين مثل كفّتي الميزان والتوكل لسانه ، به تعرف الزيادة والنقصان . وسئل عن قول الله عزّ وجلّ : * ( فَاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ ) * [ التغابن : 16 ] . قال : بإظهار الفقر والفاقة إليه . وسئل عن قوله تعالى : * ( اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ ) * [ آل عمران : 102 ] فقال : اعبدوه بالتوكَّل . وقال أبو يعقوب السوسي : لا تطعنوا على أهل التوكَّل فإنهم خاصّة الله الذين خصّوا بالخصوصية فسكنوا إلى الله ، واكتفوا به ، واستراحوا من هموم الدنيا والآخرة . وقال : من طعن في التوكَّل ، فقد طعن في الإيمان لأنه مقرون به ، ومن أحبّ أهل التوكَّل فقد أحبّ الله تعالى . فأوّل التوكَّل المعرفة بالوكيل وأنه عزيز حكيم ، يعطي لعزّه ، ويمنع لحكمه ، فيعتزّ العبد بعزّه ويرضى بحكمه . وكذلك أخبر عن نفسه ونبّه المتوكَّلين عليه فقال سبحانه : * ( ومن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * [ الأنفال : 49 ] عزّ من أعزّ بعطيته ونظر لمن منعه بحكمته ، فإذا شهد العبد الذليل الملك الجليل قائما بالقسط والتدبير والتقدير ، عنده خزائن كلّ شيء ، وكلّ شيء عنده بمقدار لا ينزله إلا بقدر معلوم ، وشهد الوكيل قابضا على نواصي المماليك له خزائن السماوات من الأحكام والأقدار الغائبات ، وله خزائن الأرض من الأيدي والقلوب والأسباب المشاهدات . فخزائن السماوات ما قسمه من الرزق ، وخزائن الأرض ما جعله على أيدي الخلق ، وفي السماء رزقكم وما توعدون ، وفي الأرض آيات للموقنين ، ولكن المنافقين لا يفقهون فأيقن العبد أن في يده ملكوت كلّ شيء وأنه يملك السمع والأبصار ويقلب القلوب والأيدي تقليب الليل والنهار ، وأنه حسن التدبير والأحكام للموقنين ، وأنه أحكم الحاكمين وخير الرازقين . ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون . ثم استوى على العرش يدبّر الأمر ، ما من شفيع إلَّا من بعد إذنه ، عندها نظر العبد الذليل إلى سيده العزيز ، فقوي