أبي طالب المكي
373
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
أحدهما ، والتقرب إلى الله عزّ وجلّ ، ويكون من الأعلى منهما لنيات تكون له فيها لحسن خلقه ، أو لجميل معاملته ، أو لمعان محمودة تكون فيه ، لأن لكل مؤمن سديدا من عمله يرجى له به ، والمؤمن لا يهلك كله ، ولا يذهب جملة واحدة ، أو لإشفاقه عليه أو لتواضع العالم والصالح في نفسه ، فيراه في كل حال فوقه ، أو لأجل الستر عليه لئلا يلحقه النقص والشين من الغير ، فهذه طرقات الإخوان ، فيها حسن نيات ، وينبغي على ذلك أن تعلمه ما جهل مما هو به أعلم ، فيعينه بعلمه كما يعينه بماله ، فإنّ فقر الجهل أشد من فقر المال ، وإنّ الحاجة إلى العلم ليست بدون الحاجة إلى المال وكان الفضيل يقول : إنما سمّي الصديق لتصدقه والرقيق لترفقه ، فإن كنت أغنى منه فأرفقه بمالك ، وإن كنت أعلم منه فأرفقه بعلمك ، وينبغي أن ينصح له فيما بينه وبينه ، ولا يوبخه بين الملإ ولا يطلع على غيبه أحدا ، فقد قيل : إنّ نصائح المؤمنين في آذانهم . وقال جعفر بن برقان : قال لي ميمون بن مهران : قل لي في وجهي ما أكره ، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره ، فإن كان أخوه الذي نصح له صادقا في حاله ، أحبه على نصحه ، فإن لم يحبه وكره ذلك منه دلّ على كذب الحال . قال الله سبحانه وتعالى في وصف الكاذبين : * ( ولكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ) * [ الأعراف : 79 ] . وقد كان بعض الصالحين يقول : أحب الناس إلي من أهدى عيوبي . وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : ويأمر الإخوان بذلك رحم الله امرأ اهتدى إلى أخيه عيوب نفسه ، ولكن قد قيل لمسعر بن كدام : تحب من يخبرك بعيوبك ، فقال : إن نصحني فيما بيني وبينه فنعم ، وإن قرعني في الملإ فلا ، ومن أخلاق السلف قال : كان الرجل إذا كره من أخيه خلقا عاتبه فيما بينه وبينه أو كاتبه في صحيفة ، وهذا لعمري فرق بين النصيحة والفضيحة فما كان في السر فهو نصيحة ، وما كان على العلانية فهو فضيحة ، وقلما تصح فيه النية لوجه الله تعالى ، لأن فيه شناعة ، وكذلك الفرق بين العتاب والتوبيخ ، فالعتاب ما كان في خلوة . والتوبيخ لا يكون إلَّا في جماعة ، ولذلك يعاتب الله عزّ وجلّ رجلا من المؤمنين يوم القيامة تحت كنفه ، ويسبل عليه ستره فيوقفه على ذنوبه سرّا ، ومنهم من يدفع كتاب عمله مختوما إلى الملائكة الذين يحفرون به إلى الجنة ، فإذا قاربوا دخول الجنة ، دفعوا إليهم الكتب مختومة فيقرؤنها ، وأما أهل التوبيخ فينادون على رؤس الأشهاد ، فلا يخفى على أهل الموقف فضيحتهم ، فيزداد ذلك في عذابهم . وكذلك الفرق بين المداراة والمداهنة ، فالمداراة ما أردت به وجه الله تعالى وطريق الآخرة ، من دفع عن دين وقصدت به سلامة أخيك من الإثم وصلاح قلبه لله تبارك وتعالى ، والمداهنة ما اجتلبت به دنيا وأردت به حظ نفسك ، وكذلك الفرق بين الغبطة