أبي طالب المكي
370
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
الخبر : لا يؤمن عبدي حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ثم جاء مثله : لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لله عزّ وجلّ ، فمن مقتضى الحب في الله تعالى ما ذكرناه آنفا من التزاور والتباذل والتصافي لله عزّ وجلّ . وفي حديث عبادة بن الصامت وقال موسى بن عقبة : كنت ألقى الأخ من إخواني مرّة فأقيم عاقلا بلقائه أياما . وقال جعفر بن سليمان : كمن إذا وجدت في نفسي فترة ، نظرت ، إلى محمد بن واسع ، فأعمل على ذلك جمعة . وكان محمد بن واسع يقول : ما بقي في الدنيا شيء ألذه إلَّا ثلاث : الصلاة في جماعة ، والتهجد من الليل ، ولقاء الإخوان . وكان بعضهم يقول : لقاء الإخوان مسلاة للهمّ ومذهبة للأحزان . وكان الحسن وأبو قلابة يقولان : إخواننا أحب إلينا من أهلينا وأولادنا ، لأن أهلينا يذكرونا الدنيا وإخواننا يذكرونا الآخرة . وقال أحدهما : لأن الأهل والولد من الدنيا والإخوان في الله عزّ وجلّ من آلة الآخرة . وقيل لسفيان بن عيينة : أي الأشياء ألذّ فقال : مجالسة الإخوان والانقلاب إلى كفاية . وفي الخبر : ما زار رجل أخاه في الله عزّ وجلّ شوقا إليه ورغبة في لقائه ، إلَّا ناداه ملك من خلفه : طبت وطابت لك الجنة . وقال الحسن : من شيّع أخا له في الله عزّ وجلّ بعث الله ملائكة من تحت عرشه يوم القيامة يشيعونه إلى الجنة . وعن عطاء قال : كان يقول : تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث ، فإن كانوا مرضى فعودوهم ، وإن كانوا مشاغيل فأعينوهم ، وإن كانوا نسوا فذكروهم . وكان الشعبي يقول : في الرجل يجالس الرجل فيقول : أعرف وجهه ولا أعرف اسمه ذلك معرفة التوكل . وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه رأى عمر يلتفت يمينا وشمالا فسأله ، فقال : يا رسول الله أحببت رجلا فأنا أطلبه ولا أراه ، فقال : يا أبا عبد الله إذا أحببت أحدا فسله عن اسمه واسم أبيه ، وعن منزله فإن كان مريضا عدته ، وإن كان مشغولا أعنته . وعن الضحاك عن ابن عباس قيل له : من أحب الناس إليك ، قال : جليسي . وكان يقول : ما اختلف رجل إلى مجلسي ثلاثا من غير حاجة تكون له إليّ ، فعلمت مكافأته من الدنيا . وكان سعيد بن العاص يقول : لجليسي عليّ ثلاث : إذا دنا رحبت به وإذا حدث أقبلت عليه وإذا جلس أوسعت له . وقال الأحنف بن قيس : الإنصاف يثبت المودة ، ومع كرم العشرة تطول الصحبة . وكان يقول : ثلاث خلال تجلب بهن المحبة : الإنصاف في المعاشرة ، والمواساة في الشدة والانطواء على المودة . وقال أكثم بن صيفي لبنيه : يا بني ، تقاربوا في المودة ولا تتكلوا على القرابة . وقد قيل لأبي حازم : ما القرابة ، قال : المودة ، فأول ما تصح له المحبة في الله عزّ وجلّ أن لا يكون لضد ذلك من صحبة لأجل معصية ، ولا على حظ من دنياه ، ولا لسبب موافقته على هواه ، ولا لأجل ارتفاقه به اليوم لمنافعه