أبي طالب المكي

37

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

يصنع الأطباء ؟ قال : يأكلون أرزاقهم ، ويطيبون نفوس عبادي ، حتى يأتي شفائي أو قبضي . وقد كان ابن حنبل يقول : أحبّ لمن اعتقد التوكل ، وسلك هذا الطريق ترك التداوي من الأشربة وغيرها . واعتلّ عمران بن حصين فأشاروا عليه أن يكتوي فامتنع ، فلم يزالوا به ، وعزم عليه زياد بذلك ، وكان أميرا حتى اكتوى ، فكان يقول : كنت أرى نورا ، وأسمع صوتا ، واسمع تسليم الملائكة عليّ ، فلما اكتويت انقطع ذلك عني . وفي خبر كانت الملائكة تزوره فيأنس بها حتى اكتوى ، فكان يقول : اكتوينا كيات ، فوالله ما أفلحنا ولا أنجحنا ، ثم ناب من ذلك ، وأناب إلى الله تعالى ، فرد الله عليه ما كان يجد من أمر الملائكة . وقال لمطرف بن عبد الله : ألم تر أنّ الكرامة التي كان أكرمني الله بها قد ردها عليّ ؟ بعد أن كان أخبره بفقدها ، فلو لا أنّ ذلك كان عنده ذنبا له ، لما ندم عليه وتاب منه ، ولولا أنّ ذلك كان نقصا ما صرفت الملائكة عنه . ومرض أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقيل له : لو دعونا لك طبيبا ، فقال : قد نظر إليّ الطبيب ، فقال : إني فعال لما أريد . وقيل لأبي الدرداء في مرضه : ما تشتكي ؟ قال ذنوبي ، قيل : فما تشتهي ؟ قال : مغفرة ربي . قيل : أفلا ندعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أمرضني . وقيل : لأبي ذر وقد رمدت عيناه : لو داويتهما ، فقال : إني عنهما لمشغول ، قيل : فلو سألت الله أن يعافيك ، فقال : أسأله فيما هو أهم إليّ منهما . وقيل لأبي محمد : متى يصح لعبد التوكل ؟ قال : إذا دخل عليه الضر في جسمه ، والنقص في ماله ، فلم يلتفت إليه شغلا بحاله للنظر إلى قيام الله عليه ، وقد كان أصاب الربيع بن خيثم الفالج ، فقيل له : لو تداويت فقال : قد هممت ، ثم ذكرت عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا كانت فيهم الأوجاع ، وكانت فيهم الأطباء ، فهلك المداوي والمداوى ولم تغن الرقي شيئا . وقد أصاب عبد الواحد بن زيد الفالج فعطل عن القيام ، فسأل الله أن يطلقه في أوقات الصلاة ثم يرده إلى حاله بعد ذلك . فكان إذا جاء وقت الصلاة فكأنما أنشط من عقال ، فإذا قضى الصلاة رجع إليه الفالج وكما كان قبل ذلك . ومن لم يتداو من الصدّيقين والسلف الصالح أكثر من أن يحصى ، إلا أنه مخصوص لمخصوصين ، ألم تر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، ثم وصفهم بأنهم لا يكتوون ، ولا يسترقون ، فقام إليه عكاشة بن محسن الأسدي فقال : ادع الله أن يجعلني منهم ، فدعا له ، فقام رجل آخر فقال : ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال : سبقك بها عكاشة ، فلم يمنعه من الدعاء بخلا عليه ، إلَّا أنّ طريق الخصوص الأقوياء لا يسلكه العموم الضعفاء ، كما أنّ طريق العموم قد زهد فيه الخصوص . وأعجب ما سمعت قال بعض العارفين : أصفى ما أكون قلبا إذا كنت محموما . أو من