أبي طالب المكي
354
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
ركوع الإمام وسجوده ، وطائفة بصلاة واحدة وهم الذين يكبرون ويركعون ويسجدون معه مواصلة له ومبادرة ، وطائفة تخرج بغير صلاة وهم الذين يرفعون ويضعون قبله فيسابقون إمامهم ، وليقرأ في صلاة الغداة بسورتين من المثاني وهي ما دون المائة ، فإن الإطالة في قراءة الفجر والتغليس سنّة ، ولا يضرّه خروجه منها مسفرا إذا كان قد دخل فيها مغلسا ، ولا أكره أن يقرأ في الركعة الثانية منها بأواخر السور من نحو الثلاثين أو العشرين إلى أن يختمها لأن في ذلك مزيد تذكرة وفضل تبصرة ، لأنه يبعد طروقه على الأسماع لكثرة الاعتياد لتلاوة السور القصار فهي أدنى إلى الانقطاع والتفكَّر ، وإنما كره أن يقرأ من أوّلها كذلك ، ثم يقطع أو يقرأ من وسطها ، ثم يركع قبل أن يختمها هذا الذي كرهه بعض العلماء . وقد روينا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بعض سورة يونس فلما انتهى إلى ذكر موسى وفرعون قطع فركع ، وروينا حديثا أشهر منه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر مائة مرة من سورة البقرة قوله تعالى : * ( قُولُوا آمَنَّا بِالله ) * [ البقرة : 136 ] الآية ، وفي الثانية : * ( رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ ) * [ آل عمران : 53 ] . وفي رواية أنه قرأ فيهما : * ( شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) * [ آل عمران : 18 ] ، وأنه سمع بلالا يقرأ من هاهنا وهاهنا فسأله عن ذلك فقال : أخلط الطيب بالطيب ، فقال : أحسنت أو أصبت ، والخبر المشهور عن أبي بكر الصديق قال الصنابحي : صلَّيت خلفه المغرب فأصغيت إليه في الركعة الثالثة ، فإذا هو يقرأ هذه الآية : * ( رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا ) * [ آل عمران : 8 ] الآية . فكذلك يستحبّ أن يقرأ بهذه الآية خاصة في الثالثة من صلاة المغرب . وروينا عن ابن مسعود أنه أمّ الناس في صلاة العشاء الآخرة فقرأ في الركعة الثانية بالعشر الأواخر من سورة آل عمران ، وأنه قرأ أيضا في هذه الصلاة بآخر سورة الفرقان من قوله تبارك وتعالى : * ( تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجاً ) * [ الفرقان : 61 ] . وقد قال الفقهاء في المستحبّ من القراءة بعد سورة الحمد من الزيادة عليها أن يقرأ ثلاث آيات من سورة . وبعضهم يقول : آيتين من سورة . فإن اكتفى بسور الحمد أجزأه . وقد روينا عن جابر بن زيد فقيه أهل البصرة وكان ابن عباس يستخلفه في الفتيا ويأمر أن يستفتي أنه افتتح الصلاة ثم قرأ الحمد ثم قال : * ( مُدْهامَّتانِ ) * [ الرحمن : 64 ] وركع ، وهذه أقصر آية في كتاب الله عزّ وجلّ وبعدها ، ثم نظر وقد رأيت بعض الأئمة في جامع عظيم من جوامع المسلمين قرأ في الركعة الثانية من صلاة العشاء الآخرة بآخر سورة يونس وخلفه العلماء والأشهاد ، فما أنكر عليه أحد ، وليقرأ في صلاة الظهر بطوال المفصل إلى الثلاثين آية ، في صلاة العصر بوسط المفصل على نصف صلاة الظهر ، في المغرب