أبي طالب المكي
337
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
سنّة ، أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمن وأقط وكبش فقبل السمن والإقط وردّ الكبش . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل من بعض الناس ويردّ على بعض . وقال : لقد هممت مرارا أن لا أتهب إلَّا من قرشي أو ثقفي أو دوسي وفعل هذا جماعة من التابعين . جاءت صرّة إلى فتح الموصلي فيها خمسون درهما فقال : حدثنا عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أتاه رزق من غير مسألة فردّه ، فإنما يردّه على الله عزّ وجلّ ، ثم فتح الصرّة فأخذ منها درهما وردّ سائرها . وقد كان الحسن البصري يروي هذا الحديث أيضا ، ثم حدثنا عنه أنّ رجلا أهدى إليه كيسا فيه مال ورزمة فيها من دق خراسان ، فردّ ذلك ، فقال له بعض أصحابه في ذلك فقال : من جلس مثل مجلسي هذا وقبل من الناس مثل هذا لقي الله عزّ وجلّ يوم القيامة ، وليس له عند الله عزّ وجلّ خلاق . وقد كان الحسن يقبل من أصحابه ، وكان إبراهيم التيمي يسأل أصحابه الدرهم ونحوه ، ويعرض عليه غيرهم المائتين فلا يأخذ . وقد كان بشر بن الحارث لا يقبل من الناس شيئا ، وكان بعضهم يقول : أحبّ أن أعلم من أين يأكل ؟ فقال له : من يخبر أمره ؟ أنا أدري من أين يأكل . له صديق عاقل يعني نظيره في العقل والدين ، لأنّ بعضهم كان لا يقبل إلَّا من نظرائه ، لا من الأتباع ، وهذا الصديق العاقل الذي كان يقوم بكفايته ، ولم يكن يظهر أمره ، ولا يلتقي معه ، هو سري بن المغلس السقطي . لأنّا حدثنا عن بشر أنه قال : ما سألت أحد قط شيئا من الدنيا إلَّا سريّا السقطي ، لأنه قد صحّ عندي زهده في الدنيا ، فهو يفرح بخرج الشيء من يده ، ويتبرم ببقائه عنده ، فأكون أعينه على ما يحبّ . وقد كان سري يوجه إلى أحمد بن حنبل في حاجاته فيقبل منه ، وكان إذا ذكر عند أحمد يقول : ذاك الغني المعروف بطيب الغنى أنه ليعجبني أمره . وكان بعض العباد إذا دفع إليه بعض أبناء الدنيا الشيء يقول : دعه عندك ، وأعرض على قلبك كيف أنا عندك بعد الأخذ أفضل أو دون ذلك وأصدقني . فإن قال له : أنت عندي الآن أفضل منك قبل ذلك قبل ، وإن أخبره بنقصانه في قلبه لم يقبل منه . وكان بعضهم يردّ على أكثر الناس صلته فعوتب في ذلك فقال : ما أردّ إلَّا إشفاقا عليهم ونصحا لهم ، يذكرون ذلك ويحبون أن يعلم به فتذهب أموالهم وتحبط أجورهم . وممن ذهب إلى هذا سفيان الثوري ، وقد كان يشترط على بعض من يأخذ منه أن لا يذكره إشفاقا عليه من ذهاب أجره ، لأنه قيل في معنى قوله عزّ وجلّ : * ( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأَذى ) * [ البقرة : 264 ] . قال : المنّ أن يذكره والأذى أن يظهره . وقال الجنيد للخراساني الذي جاءه بمال وسأله أن يأكله فقال الجنيد : بل أفرقه على الفقراء . فقال : أنا أعلم بالفقراء منك ولم أختر هذا . فقال الجنيد : أنا أؤمل