أبي طالب المكي
334
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
وهذا حال علماء الزاهدين ، والحكم الآخر أن لا يأخذه ليصرفه صاحبه إلى من هو أحوج إليه منه لأن الله تعالى له عليه فيه أحكام ، وهذا هو الطريق الأوسط من طرق الزهاد . فإما أن يأخذه من غير حاجة ليتكثر به ويدّخره فلا أعلم في هذا طريقا إلى الله تعالى ، وما لم يكن طريقا إلى الله فهو من طرقات الهوى إلى العدوّ ، ثم ينظر الآخذ فيما آتاه من الله إلى أحكامه فيه ، فإن كان ما يأتيه من الزكاة المفروضة على أربابها المشترط له الأوصاف الستة المنصوص عليها في الكتاب ، فذلك أضيق عليه وألزم له في الاحتياط لأخيه أن يضعه في حقيقة موضعه عند أخيه نصحا لله تعالى في دينه ونصحا لإخوانه في ربه فإنّ الأفضل في ذلك أن لا يضعه إلَّا في أربعة أشياء : مطعم ، وملبس ، ومسكن ، ودين في قضائه عنه ، فهذا من أفضل ما صرفت فيه الواجبات . وقد روينا عن ابن عباس : من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه ، وفضول الدنيا وهو الزيادة على الكفاية لا يحتاج إليه ، والدين يحتاج إليه . فلا ينبغي للعاقل أن يبيع ما يحتاج إليه من دينه بشراء ما لا يحتاج إليه من دنياه ، فتكون صفقته خاسرة وتجارته بائرة ، والشهوات لا حدّ لها لأنه لا غاية ينتهي إليها فيها ، والقوت له حدّ وغاية ينتهي إليه فيها . وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا حقّ لابن آدم إلَّا في ثلاث ، طعام يقيم صلبه ، وثوب يواري عورته ، وبيت يكنّه . فما زاد فهو حساب ، وهذا الثلاث مع ابن آدم في بطن أمه ، وفي قبره ، وبين ذلك في دنياه ، وبعد ذلك في عقباه . فالأخذ لمصالح هذه الثلاث مأجور عليه العبد والردّ لما زاد عليها هو أفضل من الأخذ . وينبغي أن يكون العبد الذي لا معلوم له عارفا بأحكام العطاء ، فإن العطاء من الله لعبده على أربعة أنواع : نوعان محمودان ، ونوعان مكروهان . فالمحمودان ما كان بمعنى الرفق والمعونة ، والمكروهان ما يكون بمعنى الاختبار والابتلاء ، وبين الرفق والمعونة فتفصيل ذلك أنّ الابتلاء ما جاءه من الأسباب قبل الحاجة إليه أو جاءه وله غنية عنه أو عنده مثله ، فهذا ابتلاء من الله تعالى له لينظر عمله فيه . فالأفضل في هذا أن يخرجه فيكون معاملا لله تعالى به في السرّ مسقطا لمنزلته عند الناس في العلانية ، فإن لم يقو على هذا الثقل وحمله على النفس فالأفضل بعده أن لا يأخذه ليحكم الله فيه ما يشاء ونصحا لأخيه في ما له - سيما إن كان من الواجب والاختيار - أن يكون الفقير قد نوى ترك أكل شيء أو اعتقد التقلَّل في شيء قربه إلى ربّه تعالى لمخالفة هوى نفسه وعملا في صلاح قلبه يتباعد به مما يدخله في الكثرة ويحلّ عليه عقده ، فردّ هذا أفضل وهو من الزهد والرعاية للعهد ، فإن أخذه ثم أخرجه إلى محتاج ، فهذا هو زهد الزهد ، وله في هذا معاملات ، منها أنّ العبد مندوب إلى الإيثار ، فإذا