أبي طالب المكي

33

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

مسؤول عنها . وقد ادّخر رسول الله صلى الله عليه وسلم لعياله قوت سنة ليسن ذلك ، وقد نهي أم أيمن وغيرها أن تدّخر شيئا لغد . ونهى بلالا أيضا عن الادخار ليقتدي به أهل المقامات في ذلك . كما روي أنه قبض صلى الله عليه وسلم وله بردان في الحف ينسحبان ، وقد كان عليه السلام أقصر أملا من ذلك . كان يبول فيتيمم قبل أن يصل إلى الماء ، فيقال له في ذلك إنّ الماء منك قريب ، فقال : وما يدريني لعلَّي لا أبلغه . ولكن فعله لئلا يهلك من طال أمله من أمته ، فجعل فعله نجاة له . فهذا يدلك أن الادخار يتسع ويضيق على قدر مشاهدات العارفين ، من قبل أن الشريعة جاءت بالرخصة والعزيمة ، فالعزائم من الدين للأقوياء الحاملين ، والرخص من الدنيا للضعفاء المخمولين ، وقد كان الخوّاص يدقق في أحوال التوكل ويذكر أن الادخار يخرج من حد التوكل ، ولم يكن يفارقه أربعة أشياء ، وكان يقول : ادخارها من تمام حال المتوكل لأنها من أمور الدين ، الركوة والحبل والإبرة والخيوط والمقراض . وكان سهل يضرب لمدّخر مثلا في قصر الأمل وطوله فيقول : مثل من يترك الادخار مثل رجل يقول : أريد أن أخرج إلى الأيلة فيقال له : خذ رغيفا فإن قال : أريد أن أخرج إلى عبادان قيل له خذ رغيفين فإن قال : أريد أن أخرج إلى العسكر قيل له : خذ أربعة أرغفة قال : فكذلك ترك الادخار على قدر قصر الأمل وطوله . وأعجب ما سمعت في انقطاع الأمل ما حكي أنّ موسى والخضر اجتمعا ، فشكا موسى إلى الخضر الجوع فقال : اقعد فقعد ، فتكلم الخضر بشيء فأقبل ظبي مخيض حتى وقف بينهما ، فوقع نصفين نصفه إلى الخضر مشويّا ونصفه إلى موسى نيّئا ، فقال له الخضر : قم فأقدح نارا واشو نصيبك ، وأخذ الخضر يأكل . ففعل ذلك موسى ثم سأله : لم وقع نصفه إليك مشويّا ؟ فقال : إنه لم يبق لي في الدنيا أمل . وعلى ذلك فإن الادخار ينقص من فضائل الزاهدين بمقدار ما يمنع من حقيقة الزهد . وفي حديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة في ذكر الفقير الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّا وأسامة ، فغسلاه وكفنه ببردته فلما دفنه قال لأصحابه : إنه يبعث يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ، ولولا خصلة كانت فيه لبعث وجهه كالشمس الضاحية فقلنا : وما هي يا رسول الله قال : إنه كان صوّاما قوّاما كثير الذكر لله ، غير أنّه كان إذا جاءه الشتاء ادّخر حلَّة الصيف لصيفه ، وإذا جاءه الصيف ادّخر حلة الشتاء لشتائه من قابل ، ثم قال : من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ، ومن أعطى حظه منها لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار . وحدثونا عن بعض العارفين قال : رأيت في النوم كأن القيامة قد قامت ، وكان الناس يساقون زمرة زمرة إلى الجنّة على طبقات ، قال : فنظرت إلى طبقة أحسن الناس هيئة ، وأعلاهم ومرتقى ، وأسرعهم سبقا ، فقلت هذه أفضلهم ، أكون فيهم قال : فذهبت لأخطو إليهم ، وأدخل معهم في طريقهم ، فإذا بملائكة حولهم قد منعوني ، وقالوا : قف مكانك