أبي طالب المكي
298
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أهله فيقول : هل عندكم من شيء فإن قالوا نعم أكل ، وإن قالوا لا قال إني صائم . وكان يقدم إليه الشيء فيقول : أما إني كنت أردت الصوم ثم يأكل . وفي الخبر : أنه خرج صلى الله عليه وسلم يوما فقال : إني صائم ثم دخل فقالت عائشة : قد أهدي لنا حيس فقال : قد كنت أردت الصوم ولكن قرّبيه وكانت بينه وبين الله علامة في فطره وصومه ، كان الوجود علامة فطرة يكون مرادا به وكان العدم علامة صومه يكون معه مرادا . وعلى المعنى تصريف قلوب العارفين ومن هذه المشكاة تضيء بصائر الشاهدين ولا يوكلون إلى حال ، ولا يوقفون مع مقام ، ولا تصحّ هذه الثلاث إلَّا بثلاث خلال : أحدها عدم الهوى وتوقان النفس بالعادة ، والثانية : أن يكون له في أكله نية كما له في صومه نية فيكون أكله لله فيستوي أكله وصومه إذ كان العامل فيهما واحدا ، والثالثة أن يحفظ الجوارح الست بحسن الرعاية فيكون صائما بما هو فرض عليه وأفضل له ، وهنّ البصر ، والسمع ، واللسان ، والقلب ، واليد ، والرجل ، ويكون مفطرا بالبطن والفرج فيكون ما حفظ أكثر وأبلغ وأحب إلى الله عزّ وجلّ ، ويكون أفضل ممن صام بجارحتين ، فإن لم يكن من أصبح صائما ثم أفطر بهذه الأوصاف الثلاث دخلت عليه الشهوة الخفيّة التي فسّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد روينا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما قال : أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفيّة فقال : أن يصبح أحدكم صائما ثم يعرض له الطعام يشتهيه فيفطر لأجله فالأفضل لمن عقد لله صوما أن يتمه ، فإن فسخه لغير الله تعالى عوقب على ذلك من عقوبات القلوب أو عقوبات الجوارح في طرقات الآخرة ، فتلك عقوبة ترك فضائل الأعمال . وفي خبر : نوم العالم عبادة ونفسه تسبيح . هكذا رويناه . وقيل لبشر بن الحارث : إنّ فلانا الغني يصوم الدهر . فقال : المسكين ترك حاله ودخل في حال غيره ، إنما حاله أن يطعم الجياع ، ويكسو العراة ، ويواسي المحتاجين ، فهذا أفضل له من صيامه الدهر . ثم قال بشر : عبادة الغني كروضة على مزبلة ، وعبادة الفقير كعقد الجوهر في جيد الحسناء . ودخل سفيان الثوري يوما على أبي إسحاق الفزاري فقدم إليه قصعة فيها خبيص . فقل : لولا أني صائم لأكلت معك . فقال الفزاري : دخل عليّ أخوك إبراهيم بن أدهم فقعد في موضعك هذا فقدمت إليه خبيصا في هذه القصعة فأكل ، فلما أراد الانصراف قال : إني كنت صائما إلَّا إني أحببت أن آكل معك أسرّك بذلك . قال : فوضع الثوري يده وجعل يأكل وتأدب بإبراهيم . وحدثونا عن سهل رحمه الله أنه سئل كيف كان في بدايته فأخبر بضروب من الرياضيات منها أنه كان يقتات ورق النبق مدة ، ومنها أنه أكل دقاق التبن ثلاث سنين . ثم ذكر أنه اقتات ثلاثة دراهم في ثلاث سنين . قيل : وما هو ؟ قال : كنت أشتري في كل سنة بدانقين تمرا وأربعة