أبي طالب المكي
295
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
إنهم كانوا يظهرون ذلك ويكسفون نفوسهم به ، فإن فاتك الطريق الأعلى فاسلك الطريق الأوسط الأسلم . فإما أن يكون عبدا يأكل الشهوات في السرّ ويخفيها في العلانية ، أو يظهر شعار ضدها من الترك لها والزهد فيها ، فليس هذا طريق الموقنين ولا مسلك الصادقين هذا وقد عرج طريق المسالك وسلك سبيل المهالك فإياك أن تترك محجّة الطريق فتقع في حيرة المضيق . حدثنا أنّ عابدا من بني إسرائيل انتهى في سياحته إلى أرض لقوم رأى في وسطها طريقا مستطرقا يسلك فيه السابلة فقال : هذه أرض لقوم كيف أسلكها ؟ وشقّ عليه أن يجاوز الأرض فيبعد عليه طريقه فتفكر وقال : هذا طريق مسلوك لا بأس عليّ أن أسلكه فسلكه . فلما خرج من تلك الأرض عوقب على ذلك ونسي ذنبه فجعل يستكشف فقيل له : لأنك سلكت إلى غير طريق ودخلت في حرث قوم بغير إذنهم . فقال : يا رب معذرة إليك إني رأيته قد جعل طريقا فأوحى الله عزّ وجلّ إليه ، وكلما اتخذ الظالمون طريقا جعلته إليّ سبيلا . فمن سلك طريق ظالم بغرور لم يكن في ذلك معذورا وأوقعه في الحيرة والغرور فهلك وأهلك من اقتدى به ، وهذا طريق متصنّع جاهل متطرف بذلك إلى الدنيا ، متشوف عند الناس بترك الشهوات ، مظلم التوحيد في الوجد ، ضعيف اليقين في غيبة عن العيون ، وقد كان من شأن الصادقين من السلف اشتراء الشهوات بأنفسهم وتعليقها في منازلهم يظهرون للناس شعار الراغبين وهم فيها عند الله عزّ وجلّ من الزاهدين ، لا يأكلونها ، إنما يريدون بذلك إسقاط منزلتهم من قلوب الجاهلين ، وإخفاء حالهم عن الناظرين وليصرفوا عنهم قلوب الغافلين ، يقطعون بذلك المقامات ويشترون به المعاملات ، لأن هذا مقام من زهد في الأشياء وأخفى زهده ، فمن نهاية إخفاء الزهد إظهار ضده واستشعار المزهود فيه ، ثم لا يتناول ولا يتمتع به فيكون هذا أشدّ على النفس من المجاهدة ، لأنه حمل عليها ثقلين : ثقل المنع من الحظ وثقل سقوط المنزلة عنه ، فعدمت النفس لذة المتعة به ، وفقدت أسباب المنزلة بتركه فجرعها كأس الصبر مرتين ، فهذا حال الصادقين في تلك الشهوات ، وطريق الأقوياء من أهل الإرادات ، وهو يشبه فعل الزاهدين في باب العطاء . إنّ منهم من كان يأخذ العطاء علانية ثم يخرجه سرّا فيكون له في الأخذ سقوط الجاه بظهور الرغبة ، ويكون له في الإخراج معاملة السر بحقيقة الزهد فلا هو متّع نفسه بالجاه مع الردّ ولا هو أنالها حظها بتناوله مع الأخذ ، فهذا أشد شيء على النفس ، وهو طريق علماء الزهد ، ومن سلكه أخرجه إلى مقام الصدّيقين ، وهذان طريقان قد درسا وقد عفا أثرهما في وقتنا هذا لا يسلكه إلَّا من عرفه الفرد بعد الفرد والسابلة من القرّاء على