أبي طالب المكي
294
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
الشهوات المعتادة فلا تعمل في مثلها من الزيادة بل يكون عملك في النقصان ، فهو أقرب إلى أخلاق الإيمان . وقد كان بعضهم يقول لأصحابه : لا تأكلوا الشهوات فإن أكلتموها فلا تطلبوها ، فإن طلبتموها فلا تحبوها . وكانوا يقولون ما زاد على الخبز فهو شهوة حتى الملح . وقال بعضهم : الخبز من أكبر الشهوات واعلم أنّ ما زاد على الخبز فهو فاكهة يتفكَّه به . وقد روينا عن ابن عمر أنه قال ما تأتينا من العراق فاكهة أحبّ إلينا من الخبز ، فإن كان لا بد من تفكَّه بفاكهة مع الخبز الذي هو قوت النفس فكما أطعم الله عزّ وجلّ الفقراء في الكفّارة وهو التوسط في الأدام الذي أمر به وأحبه لفقرائه مثل الخبز واللبن ، لأن أعلى الأدام اللحم والحلو ، وأدناه الملح والخلّ . فلم يأمر سبحانه وتعالى بأعلاه لأن يشقّ على الأغنياء ، ولم يأمر بالأدنى لأنه يشقّ على الفقراء ، وتوسط الأمر بينهما . فقال عزّ من قائل : * ( من أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) * [ المائدة : 89 ] فهو ما ذكرناه . وعلى ذلك فإن ابتلى العبد كل الشهوات وحبّها فليظهر ذلك ولا يخفيه وليشترها بنفسه ولا يسترها ، فإن هذا من صدق الحال ، وهو طريق السلف إن فاته المجاهدة في الأعمال فلا يفوتّنه الصدق في الحال ، وإن لم يكن صديقا فليصدق في كذبه ، فإنّ الصدق في الكذب أحد الصدقين ، وإن خفاء الكذب والنقص وإظهار ضده من الإخلاص والتمام هو كذبان لأنه نقص . وأظهر حال الكاملين واعتل وأبدى شعار المعصومين فكذب من طريقين ، واستحق المقت من وجهين ، فلذلك غضب الله عزّ وجلّ على المنافقين ومقتهم مقتين ثم لم يرض منهم إلَّا بتوبتين واشترط عليهم شرطين فقال تعالى : * ( إِنَّ الْمُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأَسْفَلِ من النَّارِ ) * [ النساء : 145 ] يعني أسفل من الكفّار ، لأنّ الكافر أخلص في كفره فسوي بين باطنه وظاهره ، والمنافق كفر وأشرك في إيمانه فخالف بين باطنه وظاهره واستخف بنظر الله عزّ وجلّ إلى قلبه وعظم عين المخلوق ، فزاد الله عزّ وجلّ في هوانه وشدد في توبه بما وكد من شرطه فقال تعالى : * ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وأَصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِالله وأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ ) * [ النساء : 146 ] الآية . وهذا الضرب من الرياء مما لا يمتحن به عالم بالله عزّ وجلّ ولا عاقل عن الله عزّ وجلّ ولله الحمد ، وإن ابتلى بأكل الشهوات وببعض المعاصي ، كما تجري الذنوب على العارفين ، ولا يبتلون برياء المخلوقين وليس للسلف في هذا الباب إلَّا طريقان ، طريق هو المجاهدة للنفس وترك الشهوات ، فمنهم من كان يخفيه لأنه أسلم له ، ومنهم من كان يظهره لأنه مؤمن قوي نيته في ذلك القدوة والتأسي ، وطريق آخر كان فيه طائفة من العلماء والعاملين وكانوا يأكلون الطيّبات ويتسعون في المآكل إذا وجدوها ، إلَّا