أبي طالب المكي
280
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
يمشون بلا عقول ، عقلوا حيث ذهبت عقول الناس ، لهم الشرف في الآخرة . يا أسامة إذا رأيتهم في بلدة فاعلم أنهم أمان لتلك البلدة ، لا يعذّب الله عزّ وجلّ قوما هم فيهم . الأرض بهم رحيمة ، والجبّار عنهم راض ، اتخذهم لنفسك أخدانا عسى أن تنجو بهم ، وإن استطعت أن يأتيك الموت وبطنك جائع وكبدك ظمآن فإنك تدرك بذلك شرف المنازل وتحلّ مع النبيّين ، وتفرح بقدوم روحك الملائكة ، ويصلَّي عليك الجبّار عزّ وجلّ . وممن اشتهر بالطيّ وكثر النقل عنه بذلك الخمس عشرة يوما إلى عشرين إلى شهر ، جماعة من العلماء يكثر عددهم ، منهم : ابن عمرو العوفي ، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم ، وإبراهيم التميمي ، وحجاج بن قرافصة ، وحفص بن العابد المصيصي ، والمسلم بن سعد ، وزهير البنائي ، وسليمان الخواص ، وسهل بن عبد الله ، وإبراهيم الخواص . وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يطوي ستا ، وكان عبد الله بن الزبير يطوي سبعة أيام . وكان أبو الجوزاء صاحب ابن عباس يطوي سبعا . وروي أن الثوري وإبراهيم بن أدهم كانا يطويان ثلاثا ثلاثا ، وقد رأينا من كان يطوي تسعا وخمسا ، وكثيرا ممن يطوي ثلاثا ثلاثا . وقد قال بعض العلماء : من طوى أربعين يوما من الطعام ظهرت له قدرة من الملكوت . وكان يقول : لا يزهد العبد حقيقة الزهد الذي لا مشوبة فيه إلَّا بمشاهدة قدرة من غيب الملكوت . وبعضهم يقول : لا يوقن العبد يقينا ثابتا بحكم عليه لاستقامة فيه ، ولبسة حال لازمة ، وعلم نافذ في الملكوت ، إلَّا بمشاهدة قدرة من قدرة الغيب ، برأي عين تظهر له بشهادة دائمة ، يقوم بها ويضطره ، فعند هذا يعرف من الله تعالى ، ومنه المخصوص القيوم به ، ويصحّ لعبد مراد بهذا الطريق المنهج أربعين في سنة وأربعة أشهر ، على ما نزلنا من تأخير الأوقات وقتا بعد وقت ، ورتبنا من رياضة النفس في الأوقات حتى تندرج الليالي في الأيام ، وتدخل الأيام في الليالي ، فتكون الأربعون بمنزلة يوم واحد وليلة واحدة ، وهذا طريق بعض المقربين ، لا يقدر عليه إلَّا مراد به ، محمول فيه ، مكاشف بشهادة تشغله عن نفسه ، وتقطعه عن طبعه وعادته ، وتنسيه جوعه ، ويكشف له حقيقته ومرجوعه . وقد عرفنا من كان فعل ذلك ، وظهرت له آيات من الملكوت ، وكشف له عن معاني قدرة من الجبروت ، تجلى الله له عزّ وجلّ بها ومنها كيف شاء . وقد وقف بعض هذه الطائفة على راهب فذاكره بحاله ، وطمع في إسلامه ، وترك ما هو عليه من الغرور ، فكلمه في ذلك بكلام كثير إلى أن قال له الراهب : فإن المسيح كان يطوي أربعين يوما وأن معتقد إعجاز هذا وأنه لا يكون إلَّا النبي . فقال له الصوفي : فإن طويت خمسين يوما ما تترك ما أنت عليه وتدخل في دين الإسلام ، وتعلم أنّ ما نحن عليه حقّ وأنك على باطل ؟ قال : نعم