أبي طالب المكي

275

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

بأبي سعيد فقال له : يا بني قد كنت تسعى في حوائج إخوانك ثم قطعت ذلك فما السبب ؟ فقال يا أستاذ إنك تكلمت في الإخلاص وأني خشيت أن تكون أفعالي مدخولة فتركتها . قال أبو سعيد : لا تغفل إن الإخلاص لا يقطع المعاملة ولا ينبغي للعاقل أن يترك العمل لأجل الإخلاص فيفوته الإخلاص والعمل ، ولم أقل لك : اترك ما أنت عليه إنما قلت لك : أخلص فيه فإنّ طلبك للإخلاص قد قطعك عن عمل البرّ وقد أضرّ ذلك بنا فارجع إلى ما كنت فيه وأخلص فيه لله تعالى . فينبغي للعبد أن يكون له نية خالصة في جميع تصرفه في حركته وسكونه وسعيه وتركه ، فإن الحركة والسكون اللذين هما أصلا الأعمال من أعماله التي يسأل عنها فيحتاج إلى النية والإخلاص فيهما ، فليجعل جميع ذلك لله تعالى وفيه بعقد واحد على مراتب من المقامات عنده ، إما حبا له وإجلالا له ، وإما خوفا منه أو رجاء له ، أو لأجل ما أمره به ، فينوي أداء الفرائض ، أو لما ندبه فينوي المسارعة إلى الخير ، وفيما أبيح له فتكون نيته في ذلك صلاحا لقلبه ، وإسكان نفسه ، واستقامة حاله ، وذلك كله لأجل الدين وعدة الآخرة ، وشكرا لربّه تعالى ، ودخولا فيما أحلّ له ، واعترافا بما أنعم عليه ، واتباعا لسنّة نبيّه فيه ولا يكون واقفا مع طبع ولا جاريا على العادة . وقال أبو عبدة بن عقبة : من سرّه أن يكمل عمله فليحسن نيته ، فإن الله عزّ وجلّ يأجر العبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة ، فأحسن تفسير النية بما فسّره رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإحسان فقال : تعبد الله كأنك تراه فهذه شهادة العارفين ومعرفة الموقنين ، فهم مخلصو المخلصين . وقال ابن المبارك : ربّ عمل صغير تعظمه النية . وقال بعضهم : القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من حركات الأعمال بالصلاة والصيام ونحوه . وقال الأنطاكي : إذا صارت المعاملة إلى القلب استراحت الجوارح . وروي عن عليّ عليه السلام : من كان ظاهره أرجح من باطنه خفّ ميزانه ، ومن كان باطنه أرجح من ظاهره ثقل ميزانه يوم القيامة . وقال داود الطائي : رأيت الخير كله يجمعه حسن النية فكفاك به خيرا ، وإن لم ينصب . وروي عن الحسن في تفسير قوله تعالى : * ( وآتَيْناهُ أَجْرَهُ في الدُّنْيا ) * [ العنكبوت : 27 ] . قال : نيته الصادقة اكتسب بها الأجر في الآخرة . وروي عن عبد الرحمن بن مربح قال : من قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلَّا الله عزّ وجلّ ، ثم عرض له من يريد أن يرائيه بذلك أعطاه الله عزّ وجلّ بالأصل ، ووضع عنه الفرع . ومن قام إلى شيء من الخير لا يريد إلَّا المرأة ثم فكر وبدا له فجعل آخر ذلك لله عزّ وجلّ أعطاه الله تعالى بالفرع ووضع عنه الأصل ، كأنه حسب ذلك توبة ، والتوبة مكفرة لما سلف والله أعلم . وقد تلتبس الفضائل بالمناقص لدقة معانيها وخفيّ علومها كصلاة العبد النفل