أبي طالب المكي
264
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
المعصية ، السابقة في المشيئة يغفر لمن سبقت له الحسني جميع معاصيه السوأى ويعذب من حقّت عليه كلمة العذاب ويحبط أعماله الحسني ، والخلق مردودون إلى السابقة ومحكوم عليهم بعلم الله تعالى فيهم . وفي الخبر : هلك المصرون قدما إلى النار ، والإصرار يكون بمعنى أن يعتقد بقلبه متى قدر على الذنب فعله أو لا يعقد الندم عليه ولا التوبة منه وأكبر الإصرار السعي في طلب الأوزار . وفي الخبر : سبق المفردون المستهترون بذكر الله تعالى وضع الذكر أوزارهم فوردوا القيامة خفافا ، فهؤلاء الذين سبقت لهم منا الحسني من المقرّبين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ لهم أوزارا وضعتها الأذكار . وقال تعالى : * ( والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) * [ الواقعة : 10 - 11 ] . هذا ما علمناه من أدلة العلوم وتأوى التنزيل وعفو الله تعالى وإرادته من وراء ذلك كله وعلم القديم ولله عاقبة الأمور . مسألة محاسبة الكفّار فأما محاسبة الكفّار فهذه مسألة اختلف الناس فيها . فمنهم من ذهب إلى أنهم يحاسبون ، ومنهم من أنكر حسابهم . وقد اختلف الآثار في ذلك . فقد جاء في بعضها ما يدل على حسابهم وبه تعلق من قال به . وجاء في كثير منها ما يدل على أنهم لا يحاسبون ، وبه احتجّ من أنكر حسابهم ، وإنما يرجع عند الاختلاف إلى كتاب الله تعالى ، ففيه الشفاء وبه الغنى ، فيفصل ما أجمل القائلون ونعدل في القول الشديد فيما تأوّله المتأولون . فنقول : والله أعلم أنّ الله سبحانه ذكر في كتابه آيتين تدل على مسألة الكفّار عن الشرك الذي أدخلوا في التوحيد . وعن إجابة المرسلين وتكذيبهم قال الله تعالى : * ( ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) * [ القصص : 62 ] ثم قال في الآية الأخرى : * ( ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ) * [ القصص : 65 ] فنقول أنهم على هذا يسألون عن التوحيد فقط وعن تكذيب المرسلين هاتين الآيتين . وقال في الآيتين الآخرتين : * ( ولا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) * [ القصص : 78 ] وقال في الأخرى : * ( فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ ولا جَانٌّ ) * [ الرحمن : 39 ] ثم قال : * ( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأَقْدامِ ) * [ الرحمن : 41 ] فهذا نصّ في ترك المسألة على الذنوب والأعمال . فنقول بهاتين الآيتين : إنهم لا يسألون عن الأعمال ، وإنما يحاسب على العمل من كانت بينه وبينه معاملة ومن ثبتت له حسنات يقع بها ترجيح وموازنة . وقد روينا عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى : * ( وقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ