أبي طالب المكي

25

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

المؤمنين وفي علمهم ، ألا إنّ فيهم جهلا بالحكمة وغفلة عن الحاكم ، يحيلون ذلك إلى عاداتهم ويريدون أن يكون رزقهم من حيث معتادهم ، أو من حيث معقولهم باختيارهم ومعقولهم بالعزّ والفخر والتطاول والأنفة ، لا على الذلّ والتواضع والفقر والمسكنة ، ولا يكلون أمورهم إلى الله ويرضون بتدبيره وتقديره أن يرزقهم كيف شاء وبيد من شاء فيؤثرون أخلاق الجبابرة على أخلاق المؤمنين ، لبعدهم من مشاهدة اليقين ولاستيلاء أخلاق النفس عليهم ، ثم إنّ نفوسهم مع علمهم أنّ الخلق والأرض كله لله عزّ وجلّ ، وأنّ الحمد والملك له ، قد تطمع في غير الله وترجو سواه ، وقد تضطرب بجبلتها عن أثقال الحقائق ، وقلوبهم لا تطمئن بل تنزعج عند الابتلاء بالمصائب والفاقات ، ولا تصبر للخالق ، وإنّ ألسنتهم قد تسبق بالمدح والفرح مع رؤية الأواسط أو بالذم والأسى على فوت العطاء لوجود الغفلة وذهابهم عن مشاهدة ما يعلمون ، فهذا دليل نقص توحيدهم وضعف يقينهم ، وإن معرفتهم معرفة سمع وخبر لا معرفة شهادة وخبر ، وقد شركهم الموقنون بتسليم ذلك لله في العلم والقدرة وإثبات الأواسط والأسباب لمجاري الحكمة وعود الثواب والعقاب على الخليقة ، ولكن زادوا عليهم بحسن اليقين وقوة المشاهدة وجميل الصبر وحقيقة الرضا ، فسكنت القلوب واطمأنت النفوس عند النوازل والبؤس ، وثبتوا في الابتلاء لشهود المبلي يدبر الخلائق كيف شاء ، فحصل لهم في اليقين وحال من التوكَّل ونصيب من الرضا ، وخرج أولئك من حقائق هذه المعاني ودخلوا في عمومها ، ودخل عموم المؤمنين مع الموقنين في فرض التوكل ، قد جاوزهم الموقنون فارتفعوا عليهم وعلوا في فضله ووقف العموم ونكصوا عن العلوّ لقعود اليقين بهم وحجب الأسباب لهم ، وسبق المقربون إلى الفضل ، ويؤت كل ذي فضل فضله ، هم درجات عند الله ، والله بصير بما يعملون ، وقال بعض العلماء : احتجب عن العموم بالأسباب فهم يرونها ، وحجب الأسباب بنفسه عن الخصوص فهم يرونها ولا يرونها ، وحدثونا عن سري السقطي قال : « ثلاث يستبين بهن اليقين ، القيام بالحق في مواطن الهلكة ، والتسليم لأمر الله عند نزول البلاء ، والرضا بالقضاء عن زوال النعمة » . وقال يوسف بن أسباط قبله : كان يقال : ثلاث من كنّ فيه استكمل إيمانه ، من إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى باطل ، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق ، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له . ذكر التكسب والتصرف في المعايش ولا يضرّ التصرف والتكسب لمن صحّ توكله ولا يقدح في مقامه ولا ينقص من حاله قال الله سبحانه : * ( وجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ) * [ النبأ : 11 ] ، وقال تعالى : * ( وجَعَلْنا لَكُمْ فِيها