أبي طالب المكي
232
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
الفصل السادس والثلاثون في فضائل أهل السنّة والطريقة وطرق السلف من الأئمة السنّة اسم من أسماء الطريق ، وهو اسم للطريق الأقوم . يقال : طريق وطريقة وسنن وسنّة وحجّة ومحجّة . فمن فضائل السنّة وطريق أهلها التقلَّل من الدنيا في كل شيء ، والقناعة من الله تعالى بأدنى شيء ، والتواضع لله بكل شيء . وفي الخبر فضل العبادة التواضع . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربع لا يوجدن إلَّا بعجب التواضع ، وهو أوّل العبادة ، والصمت ، وذكر الله تعالى ، وقلة الشيء . واعلم أنّ التواضع يظهر بمعان خمسة : بالقول ، والفعل ، والزيّ ، والأثاث ، والمنزل ، يكون في المؤمن بعضها ، فمن كملت فيه فهو متواضع . والكبر ضد التواضع وهو يظهر أيضا بأضداد هذه الخمسة يبتلي المؤمن بعضها ويعافى من البعض . فمن كملت فيه فهو متكبر . وحقيقتها في القلب وظاهرها بالأفعال والأقوال ثم الورع عن الشبهات والمشكلات من العلوم والأعمال أن يقدم عليها بنطق أو عمل ولا يعتقد نفيها ولا إثباتها خشية أن يكون معتقد الباطل أو نافيا لحق ، بل يكون اعتقاده فيها تسليما لله عزّ وجلّ . ويقول : آمنت بحقائقها عند الله تعالى فذلك تعبّد من الله عزّ وجلّ للمؤمنين فيما تشابه من الأمور ، أن يسكتوا ويسلموا . وبذلك وصف الراسخين في العلم وأقسم بنفسه على نفي إيمان من لم يسلم تسليما وجعل التسليم مزيد الإيمان في قوله تعالى : * ( وما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وتَسْلِيماً ) * [ الأحزاب : 22 ] . وفي الخبر : إنما الأمور ثلاثة أمر استبان رشده فاتبعه ، وأمر استبان غيه فاجتنبه ، وأمر أشكل عليه فكله إلى عالمه . وكذلك ابن مسعود يقول : إن لهذا القرآن منارا كمنار الطريق . فما عرفتم منه فاعملوا به ، وما لم تعلموه فكلوه إلى عالمه . وكان أيضا يقول : أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع ، وسيأتي عليكم زمان يكون خيركم فيه المتبين يعني لوضوح الحق في القرن الأوّل ولدخول الشبهات في زماننا هذا ، فصار الحق غامضا فكان خير الناس اليوم المتثبت بالورع . كما أخبر أنّ خيرهم يومئذ المسارع بالفضل ومما يدلك أنّ الإيمان هو التسليم ، كما أنّ الإيمان هو التصديق ، أنّ في قراءة بعض التابعين منهم جعفر بن محمد . وقد رويناه