أبي طالب المكي
224
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ ) * [ البينة : 5 ] . ولكن هؤلاء كما قال الله تعالى : * ( فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ) * [ آل عمران : 7 ] . وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه من القرآن فهم الذين عنى الله تعالى فاحذروهم ، وذلك أنّ الله تعالى قرن الأعمال بالإيمان في كل المواضع ، فلم تقف المرجئة مع شيء من هذا البيان والأحكام . فلما أجمل القول في موضع واحد لما ذكرناه من السبب تعلقوا به ووقفوا معه . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صنفان لا نصيب لهما في الإسلام . وفي لفظ آخر : لا تنالهم شفاعتي : القدرية والمرجئة . وفي الحديث الغربي : طائفتان لا يدخلون الجنة : من قال أنّ الإيمان كلام . ورواه حذيفة فقال : إني لأعلم أهل دينين في النار قوم شرار بلا علم ، وقوم في آخر الزمان يقولون كانوا ألوفا ضلالا . نسأل الله تعالى أن لا يصرفنا عن فهم آياته ولا يبلونا بالكبر ، وإن يرينا سبيل الرشد ويوفقنا لاتخاذه سبيلا ، وإن يرينا سبيل الغيّ ويعصمنا من اتخاذه سبيلا . كما أخبر بذلك عمن بلاه به فقال تعالى : * ( سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ) * [ الأعراف : 146 ] الآية . ذكر الاستثناء في الإيمان والإشفاق من النفاق وطريقة السلف في ذلك فأما الاستثناء في الإيمان فإنه سنة ماضية وفعل الأئمة الراضية ، على معنى الخوف والتقصير ، وكراهية التزكية للنفس ، لا على وجه الارتياب في اليقين ، ولا بمعنى الشك في التصديق ، إذ الإيمان مقامات والمؤمنون فيه درجات . ولذلك قال الله تعالى لقوم موصوفين بأعيانهم : * ( أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) * [ الأنفال : 4 ] . فهذا وصفهم بالكمال ومدحهم بخصال الأعمال . ففي دليل خطابه أنّ ثم مؤمنين غير حق كيف وقد قال تعالى : * ( وإِنَّ فَرِيقاً من الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ في الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ ) * [ الأنفال : 5 - 6 ] . وقال سبحانه وتعالى في وصف آخرين : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ) * [ الصف : 2 ] . وقال في نعت الصادقين : * ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ الله أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) * [ الحجرات : 15 ] . وقال في مثل وصفهم : * ( ولكِنَّ الْبِرَّ من آمَنَ بِالله والْيَوْمِ الآخِرِ والْمَلائِكَةِ ) * [ البقرة : 177 ] . الآية . فذكر عشرين وصفا إلى قوله : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) * [ البقرة : 177 ] . منها الإيثار بالمال على حبه ، والوفاء بالعهد ، والصبر في الأمراض والجوع والشدائد . فبعد ذلك شهد لهم بالصدق والتقوى وقال في وصف المحبوبين من الموقنين :