أبي طالب المكي
216
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
من الإيمان . الإسلام هو ظاهر الإيمان وهو أعمال الجوارح ، والإيمان باطن الإسلام وهو أعمال القلوب . روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : الإسلام علانية والإيمان سرّ . وفي لفظ آخر : والإيمان في القلب . فالإسلام أعمال الإيمان والإيمان ، عقود الإسلام . فلا إيمان إلَّا بعمل ولا عمل إلَّا بعقد ، ومثل ذلك مثل العلم الظاهر والباطن ، أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب وأعمال الجوارح . ومثله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنية ، أي لا عمل إلَّا بعقد وقصد ، لأنّ قوله صلى الله عليه وسلم : إنما تحقيق للشيء ونفي لما سواه ، فأثبت بذلك عمل الجوارح من المعاملات ، وأعمال القلوب من النيات . فمثل العلم من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان ، لا يصحّ الكلام إلَّا بهما ، لأنّ الشفتين تجمع الحروف ، واللسان يظهر الكلام . وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام ، كذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان . ولذلك عدد الله تعالى في نعمته على الإنسان بالكلام ذكر الشفتين مع اللسان في قوله تعالى : * ( أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ولِساناً وشَفَتَيْنِ ) * [ البلد : 8 - 9 ] . المعنى : ألم نجعله ناظرا متكلَّما ؟ فعبّر عن الكلام باللسان والشفتين لأنهما مكان له ، وذكره الشفتين لأنّ الكلام الذي جرت النعمة به لا يتمّ إلَّا بهما . ومثل الإيمان والإسلام أيضا كفسطاط قائم في الأرض له ظاهر متجاف وأطناب ، وله عمود في باطنه . فالفسطاط مثل الإسلام له أركان من أعمال العلانية والجوارح ، وهي الأطناب التي تمسك أرجاء الفسطاط ، والعمود الذي في باطن الفسطاط مثله كالإيمان لا قوام للفسطاط إلَّا به ، فقد احتاج الفسطاط إليهما ، إذ لا استقامة له ولا قوة إلَّا بهما ، كذلك الإسلام من أعمال الجوارح ، ولا قوام له إلَّا بالإيمان ، والإيمان من أعمال القلوب لا نفع له إلَّا بالإسلام ، وهو صالح الأعمال . وقد عبّر الله تعالى عن الإيمان بالإسلام . فلو لا أنهما كشيء واحد ما عبّر عن أحدهما بالآخر . فقال سبحانه : * ( فَأَخْرَجْنا من كانَ فِيها من الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ من الْمُسْلِمِينَ ) * [ الذاريات : 35 - 36 ] ، ولم يكونا بيتين إنما هم أهل بيت واحد لوط وبناته . وقال عزّ وجلّ في مثله : * ( إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِالله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ) * [ يونس : 84 ] فعطف بقوله : إن كنتم مسلمين على قوله : إن كنتم آمنتم . فدلّ على أنهما اسمان بمعنى واحد ، وهذا كقوله تعالى فيما عبر عن الأيام بالليالي ، لأن اليوم مرتبط بالليلة وأنت تعلم أنهما شيئان . فقال في قصة واحدة : * ( قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً ) * [ آل عمران : 41 ] وقال أيضا سبحانه : * ( آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ) * [ مريم : 10 ] . وأيضا فإن الله تعالى قد جعل ضدّ الإسلام والإيمان واحد ، فلو لا أنهما كشيء واحد في الحكم والمعنى