أبي طالب المكي

202

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

وكنت أنا بمكة سنة فأهمني الغلاء بها حتى ضقت ذرعا به ، فرأيت في النوم شخصين بين يديّ . يقول أحدهما للآخر : كل شيء في هذا البلد عزيز كأنه يعني الغلاء . فقال الآخر : الموضع عزيز فكل شيء فيه عزيز ، فإن أردت أن ترخص الأشياء عليك فضّحها إلى شرف الموضع حتى ترخص . ذكر من كره المقام بمكة كان سفيان الثوري يقول : والله ما أدري أي البلاد أسكن . فقيل له : خراسان . قال : مذاهب مختلفة وآراء فاسدة . قيل : الشام . قال يشار إليك بالأصابع . قيل : فالعراق . قال : بلدة الجبابرة . قيل : مكة . قال : تذيب الكيس والبدن . وقال رجل للثوري : قد عزمت على المجاورة بمكة فأوصني . قال : أوصيك بثلاث ، لا تصلَّين في الصف الأول ، ولا تصبحن قرشيا ، ولا تظهرن صدقة . إنما كره له الصلاة في الصف الأول لأنه يفتقد فيسأل عنه إذا غاب فيشتهر ويعرف إذا واظب ، فيجب أن يرب الحال بلزوم الموضع ، فيذهب الإخلاص ويحصل التزيّن والتصنّع . وجاء رجل إلى سفيان بمكة فسأله فقال : أرسل معي رجل بمال فقال : ضعه في سدانة الكعبة . أو قال : في سدنة الكعبة . فما ترى ؟ قال سفيان : قد جهل فيما أمرك به ، وإنّ الكعبة لغنية عن ذلك . قال : فما ترى ؟ قال : أصرفه للفقراء والأرامل . وإياك وبني فلان فإنهم سراق الحاج . وقد كان بعض السلف يكره المجاورة بمكة ويحبّ قصد البيت للحجّ والخروج منه ، إما لأجل الشوق إليه أو خشية الخطايا فيه ، أو حبّا للعود . وقد قال الله تعالى : * ( وإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وأَمْناً ) * [ البقرة : 125 ] . أي يثوبون إليه يعودون مرة بعد مرة ولا يقضون منه وطرا وكان بعضهم يقول تكون في بلد وقلبك مشتاق متعلق بهذا البيت ، خير لك من أن تكون فيه وأنت متبرم بمقامك أو قلبك متعلَّق إلى بلد غيره . وروى ابن عيينة عن الشعبي : لأن أقيم بحمام أعين أحب إلي من أن أقيم بمكة . قال سفيان يعني إعظاما لها وتوقيتا عن الذنب فيها وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يضرب الحجاج إذا حجوا ويقول : يا أهل اليمن يمنكم ويا أهل الشام شامكم ويا أهل العراق عراقكم . وكان ابن عباس يقول : أجور بيوت مكة حرام ولا تقوم الساعة حتى يستحل الناس اثنتين إتيان النساء في أدبارهن وأجور بيوت مكة ، وكان الثوري وبشر وجماعة من الفقهاء وأهل الورع يكرهون أن يدفع الرجل كراء بيت مكة . حتى قال الثوري : إذا طالبوك ولم يكن لك بدّ من أن تعطيهم فخذ لهم من البيت قيمة ما أخذوا منك . وقال بعض السلف من رجل بأرض خراسان أقرب إلى هذا البيت ممن يطوف به ويقال إن لله عبادا تطوف هم الكعبة تقرّبا إلى الله عزّ وجلّ . وحدثني شيخ لنا عن أبي علي الكرماني