أبي طالب المكي
192
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
رفيقا صالحا عالما محبّا للخير معينا عليه ، إن نسي ذكره ، وإن ذكر أعانه ، وإن جبن شجعه ، وإن عجز قواه ، وإن أساء ظنه وضاق صدره وسّع صدره وصبره وحسن ظنه ولا يخالف رفيقه ولا يكثر الاعتراض عليه ، وليحسن خلقه مع جميع الناس ، ويلين جانبه ويخفض جناحه ، ويكف أذاه عن الخلق ، ويحتمل أذاهم ، فبهذه المعاني يفضل الحج وإن يحج على رحل أو زاملة فإن ذلك حج المتّقين وطريق السلف . يقال : حجّ الأبرار على الرحال . وحدث سفيان الثوري عن أبيه قال : برزت من الكوفة إلى القادسية للحجّ ، ووافيت الرفاق من البلدان فرأيت الحاج كلهم على زوامل وجوالقات ورواحل ، وما رأيت في جميعهم إلَّا محملين . وقال مجاهد لابن عمر وقد دخلت القوافل : ما أكثر الحجاج ، فقال : ما أقلَّهم . ولكن قل : ما أكثر الراكب . قال : وكان ابن عمر إذا نظر إلى ما أحدث الحاج من الزوامل والمحامل يقول : الحاج قليل والركب كثير . ثم نظر إلى رجل مسكين رثّ الهيئة تحته جوالق فقال : هذا نعم الحاج . فينبغي أن يكون رثّ الهيئة ، خفيف المئونة ، متقلَّلا من كل شيء ، لا يحمل معه من الزاد إلَّا ما لا بدّ له منه مما يحتاج إليه ، ولا يسرف في المبالغة والتناهي فيه ، ولا يقتر ، ولا يضيق على نفسه ورفيقه ، بل يستعمل الاقتصار في كل شيء والكفاية ، ويجتنب من الزي الحمرة فإن ذلك مكروه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان في سفر ، فنزل أصحابه منزلا ، فسرحت الإبل ، فنظر إلى أكسية حمر على الأقتاب فقال : أرى هذه الحمرة قد غلبت عليكم . قال : فقمنا نتساعى حتى نزعناها عن ظهورها حتى شرد بعض الإبل ، ثم ليجتنب من الزي الشهرة ، وكل منظور إليه من الأثاث ، ولا يتشبّه بالمترفين ولا بأهل الدنيا من أهل التفاخر والتكاثر فيكتب من المتكبرين ، ولا يكثر التنعّم والرفاهة فإن ذلك غير مستحبّ في سبيل الله تعالى ، لأن المشقّة والظمأ والمخمصة والأواء كلما كثر في سبيل الله كان أفضل وأثوب . حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلة وكان تحته رحل رثّ وقطيفة خلقة قيمته أربعة دراهم ، وطاف على الراحلة لينظر الناس إليه ويهتدوا بشمائله . وقال عليه الصلاة والسلام خذوا عني مناسككم . وكان يقول : لبيك اللهم لبيك ، حجّا لا رياء فيه ولا سمعة . وقال : لبيك ، أنّ العيش عيش الآخرة . وأمر صلى الله عليه وسلم بالشعث والاحتفاء ، ونهى عن التنعّم والرفاهة . في حديث فضالة بن عبيد ، وفي الخبر : إنما الحاج الشعث التفل . يقول الله تعالى لملائكته : انظروا إلى زوّار بيتي قد جاؤني شعثا غبرا من كل فجّ عميق . وقال الله عزّ وجلّ : * ( ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ) * [ الحج : 29 ] . التفث الشعث والأغبار ، وقضاؤه حلق الرأس وقص الأظافر . وكتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الأجناد : اخلولقوا واخشوشنوا أي البسوا الخلقان