أبي طالب المكي
181
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
فذلك تأويل الخبر : من لم يشكر الناس لم يشكر الله تعالى فإن فيه إثبات حكم الأواسط ، واستعمال حسن الأدب في إظهار النعم والتخلَّق بأخلاق المنعم ، لأنه أنعم عليهم ثم شكر لهم كرما منه . وكذلك في الخبر : العبد الموقن يشهد يد مولاه في العطاء ، فحمد ثم شكر للمتّقين ، إذ جعلهم مولاه سبب حمده ، وطرقا لرزقه . في الخبر : من أسدى إليكم معروفا فكافئوه . فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه . فأما شكر الله تعالى على العطاء فهو اعتقاد المعرفة أنه من الله تعالى ، لا شريك له فيها ، والعمل بطاعته بها . ومن فضل الصدقة أن يقصد بها الفقراء الصالحين الصادقين من أهل التصوّف والدين ، ممّن يؤثر التستّر والإخفاء ، ولا يكثر البث والشكوى ، وممّن فيه وصف من أوصاف الكتاب للفقراء ، الذين أحصروا في سبيل الله ، أي حبسوا في طريق الآخرة لعيلة ، أو ضيق معيشة ، أو إصلاح قلب ، أو قصور يد ، لا يستطيعون ضربا في الأرض ، لأنهم مقصوصو الجناح ، إذ المال للغني بمنزلة الجناح للطائر بماله حيث شاء من البلاد وينبسط في شهواته كيف شاء من المراد . والفقير محصور عن ذلك لا يستطيعه لقبض يده وقد رزقه . ومن هذا قوله تعالى : * ( قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ ورِيشاً ) * [ الأعراف : 26 ] . قيل : المال . وقيل : المعاش . يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف . فسمّى الله تعالى من لا يعرفهم بالفقر ولا يشهد وصفهم بالتقلَّل ، لظهور تعففهم عن المسألة ، جاهلا بوصف المؤمنين . ثم وكَّد وصفهم وأظهر للخلق تعريفهم بيانا منه ، وكشفا لحالهم ، إذ ستروها بالعفة . فقال : تعرفهم بسيماهم فالسيما هي العلامة اللازمة والخليقة الثابتة دون التحلي واللبسة الظاهرة ، لا يسألون الناس إلحافا ، أي بهذه العلامة أيضا تعرفهم إن أشكلوا عليك ، فإنهم لا يسألون عفة وقناعة إلحافا . لا يلتحفون بالأغنياء ولا يلاحفون أهل الدنيا تملَّقا وضراعة ، أي هم منفردون بأحوالهم ، أغنياء بيقينهم ، أعزّة بصبرهم . والإلحاف مشتق من اللَّحاف الذي يلتحف به فيلزم الجسم . فقال : ليسوا ممن يفعل ذلك . لا يلتحفون الأغنياء كاللحاف ولا يلتحفون المسألة إلزاما كالصنعة ، كما يلتحف بالثوب فاحرص أن يكون معروفك فيمن فيه هذه الأوصاف أو بعضها ، فيزكو عملك ويشكر فعلك . والأفضل في المعروف أن يؤثر الرجل إخوانه من الفقراء على غيرهم من الأجانب . فقد روي عن علي رضي الله عنه : لأن أصل أخا من إخواني بدرهم أحبّ إلي من أن أتصدّق بعشرين درهما ، ولأنّ أصله بعشرين درهما أحبّ إليّ من أن أتصدّق بمائة درهم ، ولأن أصله بمائة درهم أحبّ إليّ من أن أعتق رقبة . ولأنّ الله تعالى ضمّ الأصدقاء إلى