أبي طالب المكي

175

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

هذا أَوْ بَدِّلْهُ ) * [ يونس : 15 ] . وقال في نعت الآخرين : * ( يُلْقُونَ السَّمْعَ وأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ ) * [ الشعراء : 223 ] ، * ( إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ) * [ الشعراء : 212 ] ، * ( ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) * [ الأنفال : 21 ] . ثم وصف من أسمعه إياه وأفهمه معناه من الجنّ الذين هم أشد قوة من الأنس وأعظمهم وصفا فقالوا : * ( إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ) * [ الجنّ : 1 - 2 ] . فهؤلاء ممن عقله فمدحهم بفهمه وأخبر عن صاحب التنزيل بمثله فقال : * ( بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ ) * [ الصافات : 12 ] ، أي عجبت من القرآن وتفصيله وتنزيله ، ويسخر منه الجاهون . فإن فتح للتالي بالتلاوة عين نفس المتلوّ باب الفكر في معاني العظمة والقدرة ، وكشف له بواسطة الكلام مشاهدة ما كان علمه من وعد الآخرة وعيدها فله أجران ، من حيث كان منه عملان : الفكرة والصلاة . وهذا كله لعموم المؤمنين مزيد ، وهو بذلك للخصوص من المقرّبين دون ذلك إلَّا ما وجهوا به من طوالع الغيوب ، وأطلعوا عليه من مطالع سرائر المحبوب ، فكوشفوا به من بوادي اليقين من العزة والجبروت والإجلال والرهبوت . فأهجم عليهم من غير تفكَّر منهم ولا تدبّر مما استعملهم به ، واضطرهم إلى مشاهدته ، القدير . فأخرس ألسنتهم عن المقال ، وعقم عقولهم عن المجال ، وأغنى قلوبهم عن الطلب ، ولم يوكل إلى فكرهم بنظر إلى سبب ، بل من غير تعمّل منهم لتكييفه ولا روية ولا اختيار لماهيته . ثم يجاوزونه إذا أخذ منهم حقه وأدركوا به نصيبهم إلى العالم الأكبر ، فيقفون بين يديه ويحطون عنده ، ولا يقفون مع المشاهدة طرفة عين ، ولا يسكنون إليها خطرة قلب لئلا يقطعهم البيان عن المبين ، ولا يشغلهم الخبر عن اليقين ، ولا يحجبهم الشهادة عن الشهيد ولا يحسبهم البادئ العائد عن المبدئ المعيد ، بل قد أشرف بهم على المراد فأسقط عنهم التشرّف وأذهلهم عن الاعتراف والتعريف بما ناداهم به من التعرّف ، واقتطعهم العيان فأغناهم عن الانقطاع ، وتقطعوا بالمفصل فأنساهم الانتفاع ، وتوصّلوا بالموصل فأطلعهم عليه ، وكان لهم حاملا إليه ودليلا أمامهم منه عليه ، وهذه صفة الأقوياء بالقوي ، الأغنياء بالغنى ، الواجدين للموجد ، الفاقدين للموجد ، الذاكرين بذاكر ، الصابرين بصابر ولا ينبغي للمصلي أن يدخل في صلاته حتى يقضي نهمته ، ويفرغ من حاجته . ولا يبقى عليه ما يزعج قلبه ويفرّق همّه ليفرغ قلبه في صلاته ، ويجتمع همّه في وقوفه ، ويصحو عقله لفهمه ، ويواطئ قلبه قيله ويقبل على المقبل عليه بمعقوله ، وهذا يؤمر به القضاء عن مجاهدة الأعداء والمرضى عن مسابقة الأولياء . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : المؤمن القويّ أحبّ إلى الله تعالى من المؤمن