أبي طالب المكي

17

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

الثواب والعقاب على المرسوم . من حيث كان المتوكل قائما بأحكام الشريعة ملتزما لمطالبات العلم مع تسليمه الحكم الأوّل لله ، واعترافه أن كلا بقدر الله إذ سمع الله تعالى يقول : لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون ، وأن الله تعالى في جميع ما أظهر أخفى قدرته في حكمه فظهرت حكمته في الأشياء لعود الأحكام على المظهرين لها ، وبطنت قدرته في الأشياء لرجوع الأمر كله إليه ولإتقان الصنعة الظاهرة لصنع الباطن . فلذلك قال عزّ وجلّ : * ( صُنْعَ الله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) * [ النمل : 88 ] ، أي صنعه الباطن أتقن صنعه الظاهر . ثم قال تعالى : * ( وإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ ) * [ هود : 123 ] ، من الظاهر والباطن فاعبده وتوكَّل عليه في جميع ذلك . فللعارف المتوكَّل من الصنع الباطن شهادة هو قائم بها ، وله في الحكمة الظاهرة على شرع وتسليم اسم ورسم هو عامل به ، وهذا هو شهادة التوحيد في عبادة التفضيل ، وهو مقام العلماء الربانيين ، وكل مؤمن بالله متوكَّل على الله . ولكن توكَّل كل عبد على قدر يقينه . فتوكَّل الخصوص ما قدمناه من ذكر المشاهدة ومعاني الرضا ، وتوكَّل العموم ما عقبناه من الإيمان بالأقدار خيرها وشرها . وقد أخبر الله تعالى أنه هو الرزاق ، كما هو الخالق ، كما هو المحيي المميت ، فقرن بين هذه الأربع في قرن واحد مع ترتيب الحكمة والقدرة . فكيف يختلف حكمها أو يتبعّض وصفها لظهور الأسباب ووجود الأواسط . فقال سبحانه وتعالى : * ( الله الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) * [ الروم : 40 ] ، فكما ليس في الثلاث الأخر جاعل ومظهر إلا الواحد ، فكذا ليس في الرابعة من الرزق إلا هو . ألا ترى أنك لا تقول : خلقني أبي وإن كان هو سبب خلقك ؟ ولا تقول أحياني وأماتني فلان وإن كان أواسط في الإحياء والقتل ، لأن هذا شرك ظاهر اشتهر قبحه فترك ؟ ولذلك قال الله تعالى : * ( أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ . أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ) * [ الواقعة : 58 - 59 ] ، وكذلك قال تعالى : * ( أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ . أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) * [ الواقعة : 63 - 64 ] ، فأضاف الإمناء والحرث إلينا ، لأنها أعمال ونحن عبيد عمال ، ولأنها صفاتنا وأحكامها عائدة علينا . وأضاف الخلق والزرع إليه لأنها آيات عن قدرته ، وحكمته والله هو القادر الحكيم . وكذلك كل ما ذكر في الكتاب من الأعمال والاكتساب أضيف إلى الجوارح المجترحة ، ونسب إلى الأدوات المكتسبة ، وما كان من القدرة والإرادة وصف نفسه به ، لأنه المريد الأوّل والقادر الأعلى . فافهم عن الله خطابه كيلا يزيع قلبك فيما تشابه . ثم قد يقول العبد أعطاني ومنعني فلان لأن هذا شرك خفي ، ولأن الأسباب تظهر على أيديهم ، وتجري بأواسطهم ، فحجبوا بها عن المسبّب واستتر