أبي طالب المكي

165

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

إلى الإعلام . فإن دعا هذا المصلَّي نظر إلى المدعوّ فكان هو المرجوّ فأخذ في التمجيد والثناء والحمد والآلاء ، ونسي حاجته من الدنيا واشتغل عن نفسه بالمولى وعن مسألته بحسن الثناء . وإن استغفر هذا الداعي تفكَّر في أوصاف التوبة وأحكام التائب وتفكَّر في ما سلف من الذنوب فعمل في تصفية الاستغفار وإخلاص الإنابة والاعتذار ، وجدّد عقد الاستقامة ، فيكون له بهذا الاستغفار من الله عزّ وجلّ تحية وكرامة . ففي مثل صلاة هذا العبد وردت الأخبار أنّ العبد إذا قام إلى الصلاة رفع الحجاب بينه وبينه وواجهه بوجهه ، وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء فيصلون بصلاته ويؤمنون على دعائه ، وأنّ المصلَّي لينثر عليه البرّ من عنان السماء إلى مفرق رأسه ويناديه مناد لو علم المناجي من يناجي ما انفتل ، وأنّ أبواب السماء ، للمصلَّين ، وأنّ الله تعالى يباهي ملائكته بصفوف المصلَّين . وفي التوراة مكتوب : يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يديّ مصلَّيا باكيا فأنا الله تعالى الذي اقتربت من قلبك وبالغيب رأيت نوري . قال : وكنا نرى أنّ تلك الرقة والبكاء وتلك الفتوح التي يجدها المصلَّي في قلبه من دنوّ الرب تبارك وتعالى من القلب . وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : ادع الله تعالى أن يرزقني مرافقتك في الجنة . فقال : أعني بكثرة السجود . وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما افترض الله على خلقه بعد التوحيد أحبّ إليه من الصلاة ، ولو كان شيء أحبّ إليه من الصلاة لتعبد به ملائكته ، منهم راكع ، وساجد ، وقائم ، وقاعد . أو كما قال بعض العلماء : الصلاة خدمة الله عزّ وجلّ في أرضه . وقال آخر : المصلون خدام الله عزّ وجلّ على بساطه . إنّ المصلين من الملائكة يسمون في السماوات خدام الرحمن ويفخرون بذلك على سائر المرسلين من الملائكة . ويقال : إن المؤمن إذا صلَّى ركعتين عجب منه عشر صفوف من الملائكة ، كل صف منهم عشرة آلاف ، وباهى الله تعالى به مائة ألف ملك ، وذلك أنّ العبد قد جمع فيه أركان الصلاة الأربعة ، من القيام والقعود والركوع والسجود ، وفرق ذلك على أربعين ألف ملك . والقائمون لا يركعون إلى يوم القيامة ، والساجدون لا يرفعون إلى يوم القيامة ، وكذلك الراكعون والساجدون . ثم قد جمع الله له أركان الصلاة الستة ، من التلاوة والحمد والاستغفار والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم . وفرق ذلك على ستين ألف ملك لأن كل صفّ من الملائكة عبادته ذكر من الأذكار الستة . فإذا رأت الأملاك ما جمع فيه من الأركان الستة والأذكار في ركعتين عجبت منه وباهاهم الله تعالى به ، لأنه قد فرق تلك الأعمال والأركان على مائة ألف ملك ، وبذلك فضّل المؤمن على الملائكة . وكذلك فضل الموقن أيضا في مقامات اليقين من أعمال القلوب على الأملاك بالتنقيل في المقامات بأن جمعت فيه ورفع منها ، والملائكة لا