أبي طالب المكي

162

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

[ البقرة : 121 ] . هكذا كان وصفهم في التلاوة ، وينبغي أن يكون قلبه بوصف على ركن من أركان الصلاة ، وهمه معلَّق بكل معنى من معاني المناجاة . فإذا قال : الله أكبر أي مما سواه ولا يقال أكبر من صغير ، إنما يقال أكبر من كبير . فيقال : هذا كبير وهذا أكبر . فإن كان همّه الملك الكبير كان ذكر الله أكبر في قلبه فليواطئ قلبه قول مولاه في قوله تعالى : * ( ولَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ) * [ العنكبوت : 45 ] . ويواطئ لسانه قلبه في مشاهدة الأكبر فيكون يتلو وينظر . فإن الله تعالى قدّم العين على اللسان في قوله تعالى : * ( أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ولِساناً وشَفَتَيْنِ ) * [ البلد : 8 - 9 ] . فلا يقدّم لسانه ويؤخّر بصره ويكون عقده محقّقا لمقاله بالوصف حتى يكون عاملا بما يقول في الحال . فقد أخذ عليه ذلك لما أمر به حجة عليه وتنبيها له ، ولا يكون بقوله : الله أكبر ، حاكيا ، ذلك عن قول غيره ، ولا مخبرا به عن سواه ، بل يكون هو المتحقق بالمعنى القائم بالشهادة ، وهذا عند أهل المعرفة واجب لأن الإيمان قول وعمل في كل شيء . فإذا قلت : الله أكبر فإن العمل بالقول أن يكون الله أكبر في قلبك من كل شيء ، وهو من رعاية العهد ، لتدخل تحت الثناء والمدح في قوله تعالى : * ( والَّذِينَ هُمْ لأَماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ ) * [ المعارج : 32 ] . فالعهد ما أعطيت بلسانك ، والرعاية والوفاء بالقلب ليستحق الأجر العظيم كما قال تعالى : * ( ومن أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ الله فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) * [ الفتح : 10 ] . ومن كان في قلبه الملك الصغير الفاني أكبر من الملك الأكبر فما عمل بقوله تعالى : الله أكبر ، وليس هذا حقيقة الإيمان لأنه لم يأت بعمل وقول ، وإنما جاء بالقول وهذا قائم بنفس من مشاهدته الآخرة ، وكانت قرة عينه الآخرة . كما قال تعالى : * ( ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ) * [ النحل : 96 ] ، يعني الدنيا ، * ( وما عِنْدَ الله باقٍ ) * [ النحل : 96 ] ، يعني الآخرة . وقد قال : جعلت قرة عيني في الصلاة لأنه كان عند ربه فجعل قرة عينه به . وقد قال سبحانه وتعالى : * ( ولَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ) * [ العنكبوت : 45 ] . فالمذكور أكبر وأكبر . وقد أخبر تعالى أن الصلاة أريد بها الذكر في قوله تعالى : * ( وأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) * [ طه : 14 ] . وروي معنى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما فرضت الصلاة وأمرت بالحج والطواف وأشعرت المناسك لإقامة ذكر الله ، فإذا لم يكن في قلبك للمذكور الذي هو المقصود والمبتغى عظمة ولا هيبة فما قيمة ذكرك ؟ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأنس بن مالك ، وإذا صليت صلاة فصلّ صلاة مودّع لنفسه ، مودّع لهواه ، مودّع لعمره ، سائر إلى مولاه . كما قال : * ( يا أَيُّهَا الإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً ) * [ الانشقاق : 6 ] . وكقوله تعالى : * ( واتَّقُوا الله