أبي طالب المكي
143
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
رب . ولا ينظر إليه بفكر فيكون مقهورا وهو قاهر . لا يعقل بعقل لأنه عاقل العقل ، ولا يدرك بحيطة وهو محيط بكل حيطة ، حتى يتجلى آخرا بإحسانه ، كما تجلى أولا بحنانه ، فيشهد بحضوره وينظر بنوره وليس هذا لسواه ولا يعرف بهذا إلا إياه . وهذا منه لأوليائه اليوم بأنوار اليقين في القلوب ، وهو لهم منه غدا بمعاينة الأبصار في دار الحبيب أبد الأبد في الجنان . يتجلَّى لهم بعظائم القدرة ولطائف الحنان ، ويكلمهم بما لا غاية له من لذيذ المعاني . يتجلَّى بصفات الجلال ويظهر بمعاني الحسن والجمال ، ويبدو بلبس البهاء والكمال يجمع لهم بأول معنى من معانيه بما يوجدهم به من النعيم والسرور والفضل والحبور ، بكل نظرة أو كلمة أو قرب أو لطف أو عطف أو حنان أو إحسان جميع ما فرقه من نعيم الجنان . وينظر إذا أحب إلى ما يحب اختيارا لا تهجم الأشياء عليه في نظره اخبارا . ويعرض عما شاء اختيارا لا تعترض المنظورات في نظره اضطرارا يعرض في نظره لكبرياء عزه . وينظر في أعراضه بلطائف عطفه . الملك في قبضته والخزائن في كلمته والكون في مشيئته والملكوت كله بيده ، والجبروت والعظمة سبحات صفاته وجود الأشياء لا يضطره إلى النظر إليها إن أراد الإعراض عنها لأنه مقتدر قهار وعدمها لا يضطره إلى أن يراها لسبق علمه بها ، لأنها معلوم علمه ذي الأخبار ، ولأنه هو الجبار إذ الموجود والمعدوم يضطر غيره إلى النظر لضعفه عن الامتناع ، والعدم يضطر سواه إلى الفقد لعجزه عن الاختراع . وهو تعالى مباين لسواه بعزه ، غير مماثل لغيره بقهره . ولأن المعدوم كالمحجوب وهو تعالى يرى المحجوب ، من الذرة من تحت الثرى من وراء السماوات والأرضين ، ولا يحجبن نفاذ نظره إليها ولا يمنعن قربه منها ، ولا يحجزن قدرته عليها ولا يجاوز دون حيطته بها ، إذ الحجب واقعة على الخلق غير متصلة بالخالق ، وبواطن الأشياء وغوامضها منكشفة للخالق وهو أيضا يشهد المآل والأواخر إلى نهاية نهاياتها في أبد أبدها ، كما يشهد ذلك اليوم أعني من غد وبعد غد ، وما وراءه إلى يوم القيامة وما فيها . وهذا كله عدم لم يخلقه بعد ، لأن علمه بذلك شهادة له لأنه ليس بينه وبين علمه حجاب ، فهو يشهد الكون من أوله إلى آخره من حيث علمه بعلم هو وصفه ، ومشاهدة هي نعته . ولأن كلامه بذلك يخبر بأنه قد كان دليلا على شهوده المآب ، لأنه شهد ما علم كما علم ما به تتكلم ، فلم يتفاوت كلامه وعلمه ولم يختلف علمه وشهادته ، ومع ذلك كله فلا موجود في الأولية ولا المشاهدة سواه ، ولا شريك له في القدم ولا يقدم شاهد إلا إياه . قوته كنه قدرته وقدرته دوام بقائه ، ونظره سعة علمه وعلمه مدى نظره . يدرك الأشياء كلها على اختلاف أوصافها بصفة من صفاته ، ثم يدرك بجميع أوصافه ما أدركه بهذه الصفة . فصح بذلك أنه