أبي طالب المكي
139
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
قاضية عليها إلا ما أقره كتابه ووافقه ، وكتابه شاهد على الكتب وحاكم عليها . وأنه هو الذي بشر به عيسى عليه السلام أمته ، وهو الذي أخبر به موسى عليه السلام أمته ، وهو المذكور في التوراة والإنجيل وسائر كتب الله عزّ وجلّ المنزلة ، وهو الذي أخذ الله ميثاق النبيين أن يؤمنوا به وينصروه لو أدركوه ، فأقرّوا بذلك وشهد الله تعالى على شهادتهم ، وهو الذي أخذت الأنبياء شهادة الأمم على الإيمان به وأمرتهم بتصديقه وأخبرتهم بظهوره . وأنّ موسى وعيسى عليهما السلام لو أدركاه لزمهما الدخول في شريعته . وأنّ بقية بني إسرائيل من اليهود والنصارى كفرة بالله لجحودهم رسالته ، وأن إيمانهم بكتابه مفترض عليهم مأمور به في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم ، وأنّ طاعته ومحبته فريضة واجبة على الكافة كطاعة الله تعالى ، واتباع أمره واجتناب نهيه مفترضة على الأمة إيجابا أوجبه الله تعالى له ، وفرضا افترضه على خلقه متصل بفرائضه . ذكر فضائل شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : * ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) * [ آل عمران : 31 ] . وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين . وقال صلى الله عليه وسلم : لو أدركني موسى وعيسى ما وسعهما إلا اتباعي . وروينا في لفظ آخر : ثم لم يؤمنا بي لأكبهما الله في النار . وحدّثونا في الإسرائيليات أنّ رجلا عصى الله تعالى مائتي سنة ، في كلها يتمرد ويجترئ على الله . فلما مات أخذ بنو إسرائيل برجله وألقوه على مزبلة ، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن غسله كفنه وصل عليه في جميع بني إسرائيل ، ففعل ما أمر به فعجب بنو إسرائيل من ذلك ، وأخبروه أنّه لم يكن في بني إسرائيل أعتى على الله ولا أكثر معاص منه . فقال : قد علمت ، ولكن الله تعالى أمرني بذلك . قالوا : فاسأل لنا ربّك . فسأل موسى عليه السلام ربّه فقال : يا ربّ ، قد علمت ، ما قالوا . فأوحى الله تعالى إليه أن صدقوا أنه عصاني مائتي سنة إلَّا أنه يوما من الأيام فتح التوراة فنظر إلى اسم حبيبي محمد مكتوبا ، فقبله ووضعه على عينه ، فشكرت له ذلك ، فغرت له ذنوب مائتي سنة . وحدّثنا في معناه عن العباس بن عبد المطلب قال : كنت مؤاخيا لأبي لهب ، مصافيا له ، فلما مات وأخبر الله تعالى عنه بما أخبر ، حزنت عليه وأهمني أمره ، فسألت الله تعالى عليه حولا أن يريني إياه في المنام . قال : فرأيته يلتهب نارا فسألته عن حاله فقال : صرت إلى النار في العذاب ، لا يخفف عني ولا يروح إلا ليلة الاثنين في كل الليالي والأيام فإنه يرفع عني العذاب ، قلت وكيف ذلك ؟ قال : ولد في تلك الليلة محمد صلى الله عليه وسلم ، فجاءتني أميمة فبشرتني بولادة آمنة إيّاه ، ففرحت بمولده ، فأعتقت وليدة لي