أبي طالب المكي
116
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
ثم قعد فقال : اللَّهمّ ، إن قوما طلبوك فأعطيتهم طي الأرض فرضوا بذلك ، وإني أعوذ بك من ذلك . وإن قوما طلبوك فأعطيتهم المشي على الماء والهوى فرضوا بذلك ، وإني أعوذ بك من ذلك . وإنّ قوما طلبوك فأعطيتهم كنوز الأرض فانقلبت لهم الأعيان فرضوا بذلك ، وإني أعوذ بك من ذلك . حتى عد نيفا وعشرين مقاما من كرامات الأولياء . قال : ثم التفت فرآني . فقال يحيى : قلت نعم يا سيدي . قال : منذ متى أنت هاهنا ؟ قلت : من صلاة العشاء . فسكت فقلت : يا سيدي ، حدثني بشيء فقال : أخبرك بما يصلح لك ، أدخلني في الفلك الأسفل فدورني في الملكوت السفلي ، فأراني الأرضين وما تحتها إلى الثرى ، ثم أدخلني في الفلك العلوي فطوف بي في السماوات وأراني ما فيها من الجنان إلى العرش ، ثم أوقفني بين يديه فقال لي : سلني أي شيء رأيت حتى أهبه لك . فقلت : يا سيدي ، ما رأيت شيئا استحسنته فأسألك إياه . فقال : أنت عبدي حقّا ، تعبدني لأجلي صدقا لأفعلن بك ذكر أشياء . قال يحيى بن معاذ : فهالني ذلك وامتلأت به وعجبت منه . فقلت : يا سيدي ، ولم لا سألته المعرفة به ، وقد قال : سلني ما شئت . فصاح في صحية وقال : اسكت ، ويلك غرت عليه مني . وقد كان أبو تراب النخشبي رحمه الله معجبا ببعض المريدين ، فكان يؤويه ويقوم بمصالحه ، والمريد مشغول بعبادته ومواجيده . فقال له أبو تراب يوما : لو رأيت أبا يزيد . فقال المريد : إني عنه مشغول . فلما أكثر عليه أبو تراب من قوله : لو رأيت أبا يزيد ، هاج وجد المريد فقال : ويحك ما أصنع بأبي يزيد ، قد رأيت الله فأغناني عن أبي يزيد . قال أبو تراب : فهاج طبعي ولم أملك نفسي فقلت له : ويلك لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة ، كان أنفع لك من أن ترى الله عزّ وجلّ سبعين مرة . فبهت المريد من قولي وأنكره وقال : وكيف ذلك ؟ فقلت له : ويلك ، إنما ترى الله عندك فيظهر لك على مقدارك ، وترى أبا يزيد عند الله قد ظهر له على مقداره . قال : فعرف ما أقول فقال : احملني إليه . فذكر قصة قال في آخرها : فوفقنا على تل ننتظره يخرج إلينا من النهر . قال : فمر بنا وقد قلب فروة على ظهره . فقلت للفتى : هذا أبو يزيد فانظر إليه قال : فنظر إليه الفتى فصعق ، فحركناه فإذا هو ميت . قال : فتعاونا على دفنه فقلت لأبي يزيد : يا سيدي ، نظره إليك قتله ؟ قال : لا ولكن كان صاحبك صادقا وأسكن قلبه سرّ لم يكن ينكشف له بوصفه ، فلمّا رآنا كشف له سرّ قلبه فضاق عن حمله لأنّه في مقام الضعفاء المريدين فقتله ذلك . فهذه جمل من أوصاف المحبوب المزاد ، ورزق بغير حساب من المحب الجواد ، بتيسير من الطالب للمطلوب وعناية من المحب للمحبوب ، ومقام الحبيب أعز من أن يظهر وأخفى من أن يعرف ، غيرة من عليهم سترهم بأفعالهم وضنا منه بهم حجبهم بأوصافهم . أهل المقامات يشتاقون إليه