أبي طالب المكي
110
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
[ الأعراف : 144 ] ، أي خذ ما آتيتك من الكلام فتلا : واصطفيتك به على الناس . فاشكر عليه والنظر فقد خصصت به محمدا . وعن ابن عباس وكعب أنّ الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد فأعطى موسى الكلام وخصّ محمدا بالرؤية . ومما يؤيد هذا القول أنّ الذي آتاه الكلام هو الذي ثبت له فدلّ أنه هو الذي أريد به لأنّ الله تعالى إذا أراد عبدا بشيء ثبته فيه وقواه عليه ، وقد ثبت محمدا لما آتاه من الرؤية وقواه لها ومكنه فيه ، لأنه أراد بها . ومن وصف مقام المحبوب ما قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : صف لنا أصحابك ، فقال : عن أيهم تسألون ؟ قالوا : عن سلمان . قال : أدرك علم الأول والآخر . قالوا : فعمار . قال : مليء إيمانا إلى مشاشه . قالوا : حذيفة . قال : صاحب السرّ أعطى علم المنافقين . قالوا : فأخبرنا عن نفسك فقال : إياي أردتم بهذا كنت إذا سألت أعطيت ، وإذا سكت ابتدأت ، فهذا مقام محبوب ، لأنّه إذا سأل سمع منه فاستجيب له ، وإذا سكت نظر إليه فعطف عليه . وقد روينا عنه من أحبّ من لا يعرف فإنما يمازح نفسه ، أي من لا يعرف صفات حبيبه وأخلاقه وأفعاله وأحكامه فيحبه بعد خبره فيسارع إلى مرضاته ويجانب مكارهه فإنما يمازح نفسه ، أي يلهو بها ويلعب ليس فيه شيء من حد المحبين ولا حقيقة العارفين إذ لا يأمن انقلاب محبته لتقليب أفعال محبوبه ، ولا يأمن تغيير حبه لابتلاء حبيبه واختلاف أحكامه فكأنه كان مازحا بحبه لا محقّا به ، وفي مثل هذا المقام من جهل المحبين بأفعال المحبوب اغترار عظيم . ومن المحبة كتمان المحبة إجلالا للحبيب وهيبة له وتعزيزا وتعظيما له وحياء منه ، وهذا وصف المخصوصين من عقلاء المحبين وهو من الوفاء عند أهل الصفاء ، إذ كانت المحبة سرّ المحبوب في غاية القلوب ، فإظهارها وابتذالها من الخيانة فيها وليس من الأدب ولا الحياء النسبة إليها ولا الإشارة بها ، لأنّ في ذلك اشتهارا فتدخل عليه دقائق الدعوى والاستكبار . وقد قال بعض العارفين : أبعد الناس من الله أكثرهم إشارة به هو الذي يكثر التعريض به في كل شيء ويظهر التزيّن والتصنّع بذكره عند كل أحد هذا ممقوت عند المحبّين لله والعلماء به . دخل ذو النون المصري على بعض إخوانه ممن كان يذكر المحبة فرآه مبتلى ببلاء يجلّ عن الوصف فقال ذو النون ، لا يحبه من وجد ألم ضربه . فقال الرجل : لكني أقول لا يحبه من لم يتنعم بضربه . فقال ذو النون : لكني أقول : لا يحبه من شهر نفسه بحبه . فقال الرجل : أستغفر الله وأتوب إليه ، وهذا كما قال ذو النون هو من علامة الإخلاص في المحبة إذ كانت أعمال القلوب ، فوجود الإشفاق والحذر من إظهارها خشية السلب والاستبدال ،