أبي طالب المكي
100
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
إلى غروب الشمس كما تحنّ الطير إلى أوكارها عند الغروب ، فإذا جنهم الليل ، واختلط الظلام ، وفرشت الفرش ، ونصبت الأسرّة ، وخلا كل حبيب بحبيبه ، نصبوا لي أقدامهم ، وافترشوا لي وجوههم ، وناجوني بكلامي ، وتملَّقوا لي بأنعامي ، فبين صارخ وباك ، وبين متأوّه وشاك ، وبين قائم وقاعد ، وبين راكع وساجد ، بعيني ما يتحملون من أجلي ، وبسمعي ما يشتكون من حبي ، فأول ما أعطيهم ثلاثا أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم ، والثانية لو كانت السماوات والأرض وما فيهما في موازينهم لاستقللتها لهم . والثالثة أقبل بوجهي عليهم فترى من أقبلت بوجهي عليه لا يعلم أحد ما أريد أن أعطيه . وأما الشوق فإنه مقام رفيع من مقامات المحبة . وليس يبقى الشوق للعبد راحة ولا نعيما في غير مشوقه ، والمشتاقون مقرّبون بما أشهدوا من الشوق إليه ، وهم المأمور بطلبهم ، الموجود الحبيب عندهم مثوبة منه لهم لما شوقهم إليه في قوله لموسى عليه السلام : اطلبني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ، هم المشتاقون من المحبين والله أعلم ، وذلك أن الحبيب قرب منهم بوصفه تكرّما ، ففرحوا بقربه ، وعاشوا بمشاهدته ، ونعموا لحضورهم عنده ، ثم احتجب عنهم غيرة على نفسه لعزّه فانكسرت قلوبهم لأجله ، فاشتاقوا إلى ما عودهم منه ، فثبتت لديه حرمتهم ، فأمر أولياءه بطلبهم ، وأوجد نفسه عندهم لمكانتهم عنده ، ففرح هؤلاء من المحبين بقربه لا يوصف ، وانكسارهم ، وحزنهم لأجله لا يعرف . والله سبحانه قد يعرض عن محبيه تعزّزا ليزعجهم الشوق إليه ، ويقلقهم الأسف عليه ، وينظر إليه في إعراضه عنهم من حيث لا يعلمون لينظروا إليه من حيث يعلمون ، فسيكنون بالأدب بين يديه ، وحدثونا عن إبراهيم بن أدهم ، وكان أحد المشتاقين وهو من أبدال هؤلاء الذين نتكلم في علمهم ونكشف طريقهم ، وكانت له رحمه الله أماكن من المحبة رفيعة ، وكاشفات في القرب عليه . قال : قلت ذات يوم يا رب إن كنت أعطيت أحدا من المحبين لك ما تسكن به قلوبهم قبل لقائك فأعطني ذلك ، فقد أضرّ بي القلق . قال : فرأيت في المنام أنه أوقفني بين يديه . فقال : يا إبراهيم ، أما استحيت مني أن تسألني ما يسكن به قلبك قبل لقائي ، وهل يسكن المشتاق قبل لقاء حبيبه أم هل يستروح المحبّ إلى غير مشوقه ؟ قال : قلت : يا رب تهت في حبك فلم أدر ما أقول فاغفر لي وعلمني كيف أقول . فقال : قل اللَّهم رضني بقضائك ، وصبّرني على بلائك ، وأوزعني شكر نعمائك . وقد حدثونا بمعنى ذلك عن أحمد بن عيسى الخراز ، وكان مشتهرا بالسماع كثير الحركة والصعق عنده . ذكر بعض أصحاب سهل قال : رأيته في المنام بعد موته فقلت : ما