أبي طالب المكي

10

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

طعن على التوحيد ، إنما يعني بترك التدبير ترك الأماني . وقوله : لم كان كذا ؟ إذا وقع ولم لا يكون كذا ؟ أولو كان كذا فيما لا يقع ، لأن ذلك اعتراض وجهل بسبق العلم ، وذهاب عن نفاذ القدرة وشهادة الحكمة ، وغفلة عن رؤية المشيئة وجريان الحكم بها . ويعني ترك التدبير فيما بقي وما يأتي بعد أي . لا تشتغل بالفكر فيه بعقلك وعلمك فيقطعك عن حالك في الوقت الذي هو ألزم لك وأوجب عليك حتى قطعك فيما يأتي من الأحكام . والتصريف في ترك التدبير والتقدير لها بالزيادة والنقصان ، أو نقلها من وقت إلى غيره أو من عبد أي آخر ، بالتقديم والتأخير ، تكون في ذلك كما كنت فيما قد مضى . ألا ترى أن الإنسان لا يدبّر ما قد مضى ؟ قال : فينبغي أن يكون فيما يستقبل تاركا للتدبير له ، تاركا للأماني فيه بمعاني ما ذكرناه ، كتركه إياه فيما مضى . فيستوي عنده الحالان ، لأن الله أحكم الحاكمين ، ولأن العبد مسلَّم للأحكام والأفعال ، راض عن مولاه في الأقدار ، مع جهله بعواقب المآل . وترك التدبير بهذه المعاني هو اليقين ، واليقين هو مكان المعرفة ، إذ جعل الله تعالى قلب الموقن مكانا يمكن فيه على قدر المكان ما يليق به . وكان يقول : يا مسكين كان ولم تكن ويكون ولا تكون ، فلما كنت اليوم قلت أنا وأنا كن فيما أنت الآن كما لم تكن ، فإنه هو اليوم كما كان . وكان يقول أيضا : الزهد إنما هو ترك التدبير ، فهذا يعني به ترك الأسباب التي توجب التدبير ، وإخراج السبب الذي يجب تدبيره لا أنه يكون مسببا متيقنا للأسباب وهو ترك تدبيرها ، لأن التدبير في هذا الموضع إنما هو التمييز والقيام بالأحكام ووضع الأشياء مواضعها . فكيف لا يكون العبد كذلك مع وجود الأشياء وهو عاقل مميّز متعبّد بالعلم مطالب بالأحكام ؟ وإنما يقول : اترك الأشياء المدبّرة وزاهد في الأسباب المميّزة حتى يسقط عنك التدبير والتقدير ، فيكون بتركها تاركا للتدبير بسقوط أحكامها عنك ، واستراحتك من القيام بها ، والنظر فيها ، فهذا هو تفصيل جملة قوله في ترك التدبير ، وهذا هو حال المتوكَّلين ، والمتوكَّل لا يهتمّ بما قد كفي كما لا يهتمّ الصحيح بالدواء إذا عوفي ، ولكن قد يحتمي قبل النزال كما يحتمي المعافى قبل ورود العلل . قال الله سبحانه : * ( وما من دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها ) * [ هود : 6 ] * ( وكَأَيِّنْ من دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا الله يَرْزُقُها وإِيَّاكُمْ ) * [ العنكبوت : 60 ] فالمتوكل قد علم بيقينه ، إذ كل ما يناله من العطاء من ذرّة فما فوقها ، أن ذلك رزقه من خالقه ، وأن رزقه هو له وأن ما له واصل إليه لا محالة على أيّ حال كان ، وإن ما له لا يكون لغيره أبدا ، وكذلك ما لغيره من القسم والعطاء لا يكون لهذا أبدا ، فقد نظر إلى قسمه ونصيبه من مولاه بعين يقينه الذي به