أبي طالب المكي
396
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
قلبه إلا عليه ولا تحسن معاملته إلا بوجود حسن الظنّ فهو طريقه إليه ومقامه منه ومنه علمه به وعنده يجد قلبه معه ، إلا أنه وإن كان طريقا يخرج إلى الله عزّ وجلّ فإن الخوف أقرب منه ، وما كان أقرب فهو أعلى . كما أن الغنى والعوافي طرقان إلى الله تعالى إلا أن الفقر والبلاء عندي أقرب منهما وأعلى والله غالب على أمره . وقد روينا عن معمر عن الحسن : أنه قال : إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم فأما المؤمن فأحسن باللَّه الظنّ وأحسن العمل . وأما الكافر والمنافق فأساء باللَّه الظنّ ولكن أكثر الناس لا يعلمون . شرح مقام الخوف ووصف الخائفين وهو الخامس من مقامات اليقين قال الله عزّ وجلّ : * ( وما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ) * [ العنكبوت : 43 ] فرفع العلم على العقل وجعله مقاما فيه وقد قال سبحانه وتعالى : * ( إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) * [ فاطر : 28 ] فجعل الخشية مقاما في العلم حققه بها ، والخشية حال من مقام الخوف ، والخوف اسم لحقيقة التقوى ، والتقوى معنى جامع للعبادة وهي رحمة الله تعالى للأوّلين والآخرين ، ينظم هذين المعنيين قوله تعالى : * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ من قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) * [ البقرة : 21 ] وقوله تعالى : * ( ولَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من قَبْلِكُمْ وإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا الله ) * [ النساء : 131 ] . وهذه الآية قطب القرآن مداره عليها والتقوى سبب أضافه تعالى إليه تشريفا له ، ومعنى وصله به وأكرم عباده عليه تعظيما له فقال : * ( لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها ولا دِماؤُها ولكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ ) * [ الحج : 37 ] وقال : * ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقاكُمْ ) * [ الحجرات : 13 ] وفي الخبر : « إذا جمع الله الأوّلين والآخرين لميقات يوم معلوم ناداهم بصوت يسمع أقصاهم كما يسمع أدناهم يقول : يا أيها الناس إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا ، فأنصتوا إلي اليوم ، فإنما هي أعمالكم ترد عليكم ، أيها الناس إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا ، فوضعتم نسبي ورفعتم نسبكم ، قلت : * ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقاكُمْ ) * [ الحجرات : 13 ] وأبيتم إلا فلان بن فلان أغنى من فلان ، فاليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي ، أين المتقون ؟ قال : فينصب للقوم لواء فيتبع القوم لواءهم إلى منازلهم فيدخلهم الجنة بغير حساب » . والخوف حال من مقام العلم . وقد جمع الله تعالى للخائفين ما فرقه على المؤمنين ، وهو الهدى والرحمة والعلم والرضوان ، وهذه جمل مقامات أهل الجنان ، فقال تعالى :